بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم

كانت غزة المرآة الأخيرة التي أرغمت العالم على أن يرى وجهه الحقيقي بلا مساحيق. في كل صاروخٍ يسقط على طفلٍ نائم، تتساقط معه ورقة جديدة من أوراق «الحضارة المزعومة». هناك، بين الركام، لم يُدفن الأحياء وحدهم، بل دُفنت الأكاذيب التي غذّت أجيالًا كاملة بخرافة «العالم الحر» و«الضمير الإنساني». ومن قلب هذا الخراب، ووسط هذا الغبار، يولد هذا الكتاب ليقول للعالم بوضوح: سقط القناع.

حين تجتمع كلمتا «الإسلام» و«الحرب» في جملة واحدة، يشرد الذهن مباشرة، لا سيّما عند غير المسلمين، وربما عند بعض أبنائنا أيضًا، بفعل التشويه الإعلامي المستمر لصورة الإسلام.

غالبًا ما تتداعى إلى الأذهان مشاهد قاسية تُختزل فيها الحروب في دماءٍ وسيوفٍ وتعصّب، وهي صورة واقعية من حيث انتشارها، لكنها زائفة من حيث أصلها؛ إذ فرضتها الهيمنة الغربية على الإعلام وسرديات التاريخ.

هذه الصورة المشوّهة ليست وليدة اليوم، بل ضاربة في أعماق التاريخ، غرسها الجهل وسقاها العداء المتعمّد. وقد اعترف المؤرخ الفرنسي هنري دي كاستري –الضابط والمستشرق المهتم بتاريخ شمال أفريقيا– قائلًا:

«جميع أغانينا، حتى التي ظهرت قبل القرن الثاني عشر، صادرة عن فكر واحد كان وراء الحروب الصليبية، وكلها مشحونة بالحقد على المسلمين بسبب الجهل الكامل بدينهم. وقد رسّخت تلك الأناشيد الأكاذيب في العقول، ولا يزال أثرها باقيًا إلى اليوم».

إنها شهادة تكشف أن الكراهية صُنعت عمدًا، وأن ما نشهده اليوم ليس سوى امتداد لإرث طويل من التشويه المقصود.

بل إن بعض المفكرين الغربيين المنصفين ذهبوا أبعد من ذلك، فحلّلوا الدافع النفسي الكامن وراء هذا التشويه المتعمد، معتبرين إياه آلية دفاعية لحضارةٍ شعرت بالدونية أمام التفوق الإسلامي في عصوره الزاهرة. ومن هؤلاء المستشرق المعروف مونتجومري وات الذي قال في كتابه «فضل الإسلام على الحضارة الغربية»: «كان تشويه الأوروبيين لصورة الإسلام ضروريًا لتعويضهم عن إحساسهم بالنقص».

تأمل عمق هذه الشهادة؛ فهي تكشف أن الأمر لم يكن جهلًا عابرًا، بل حاجة نفسية لشيطنة الآخر المتفوّق حضاريًا من أجل ترميم الذات المهزوزة أمام إنجازاته وقيمه.

لكن اسمح لي أن أسألك سؤالًا ربما يهزّ القناعات الراسخة:

ماذا لو كانت الصورة مقلوبة تمامًا؟

ماذا لو اكتشفتَ أن أخلاقيات القتال والتعامل مع الأعداء في شريعتنا تحمل من الرقي والرحمة والضبط ما يجعلك تقف مذهولاً، ثم تُعيد ترتيب كل الأفكار والمعلومات التي تلقّيتها من قبل؟

وهنا يبرز سؤال مؤلم، يولّده الواقع المرّ وتستدعيه مشاهد الدماء المتكرّرة:

ما جدوى أن نتحدث عن جمال الماضي ونحن غارقون في مرارة الحاضر؟

وما نفع الحديث عن أخلاق الفاتحين ونحن اليوم ضحايا مستباحون في كل أرض؟

سؤال مشروع يولد من رحم الألم والإحباط، لكن الإجابة عنه ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة مصيرية لثلاثة أسباب جوهرية:

أولاً لنُظهر للعالم الوجه الحقيقي للإسلام الذي سعوا لتشويهه ليلًا ونهارًا. فهم لا يكتفون بقتلنا جسديًا، بل يسعون لقتلنا فكريًا عبر طمس تاريخنا وتشويه ديننا ودفن نوره تحت ركام الأكاذيب. هذا الكتاب محاولة لإماطة اللثام عن تلك الحقيقة.
ثانيًا لندحض الافتراء الأكبر الذي ربط دين الرحمة بالعنف، ولنفضح القاتل الحقيقي الذي يتزيّن بثوب الضحية أو يتقمّص دور الواعظ الأخلاقي.
ثالثًا لنبين للعالم، بالأدلة القاطعة، من هو المعلّم ومن هو التلميذ في ميدان الأخلاق القتالية، ونؤكد السبق الأخلاقي المدهش لديننا، لا على الماضي فحسب، بل على الحاضر أيضًا.

ونحن إذ نعرض هذا النموذج الإسلامي الفريد، لا ندّعي الكمال لتاريخنا أو لواقعنا. فالمسلمون بشر يصيبون ويخطئون، وقد شهد تاريخهم، ويشهد واقعهم، للأسف، تجاوزات ومظالم تخالف صريح دينهم. لكننا هنا ندافع عن "المبدأ" الإلهي المعصوم، لا عن "التطبيق" البشري القاصر دائمًا. إن عظمة الإسلام تكمن في معياره الأخلاقي السامي الذي يمكن أن يُحتكم إليه دائمًا لتقويم المسار، وهو ما تفتقر إليه المنظومات الوضعية الأخرى.

سقط القناع... فهل ترى النور؟

إن توقيت هذا الكشف أصبح ضرورة مُلحّة، خاصة اليوم... فنحن نرى بأم أعيننا كيف تتهاوى كل الشعارات البراقة لـ "القانون الدولي" و "حقوق الإنسان" وتتحطم على أسوار غزة. لقد سقط القناع، وانكشف أمام العالم كله زيف منظومة أخلاقية كاملة ادّعت التحضُّر طويلًا. لقد فضحهم حاضرهم الملطخ بالدماء، فضلاً عن ماضيهم الأسود. هذا الانهيار المروّع هو الذي يجعل كشف الحقيقة الآن واجبًا إنسانيًا.

وهذا الكتاب، في الحقيقة، ليس محاولة للدفاع المباشر أو التبرير، بل هو دعوة هادئة لرحلة استكشاف مدهشة. سنخوض فيها معًا في نصوص تشريعية وحقائق تاريخية موثقة، قد تصدمك فعلاً، وتُجبرك على التساؤل: كيف غابت هذه العظمة عنّا كل هذا الوقت؟

في هذه الصفحات، لن تجد نفسك أمام تنظير فكري معقّد أو جفاف في الطرح. على العكس تمامًا، ستجد قصصًا نابضة، ومواقف حاسمة، ونصوصًا صافية، لتكتشف بنفسك معنى "أخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام".

ستدرك كيف أن نظامًا أخلاقيًا متكاملاً، نشأ قبل أربعة عشر قرنًا في بيئة صحراوية، وضع مبادئ ربانية لم تستطع البشرية، رغم كل "مواثيق جنيف" الحديثة، أن تصل إليها أو تطبقها بصدق حتى يومنا هذا.

سنكشف معًا عن جوانب قد تبدو خيالية في زمننا:

كيف وصل الأمر إلى حد حماية أطفال ونساء وشيوخ العدو، بل وحتى رهبانه المنعزلين عن شؤون القتال؟

كيف تجلّت الرحمة في النهي الصريح عن قطع الأشجار أو تلويث المياه، حتى في أتون المعركة الحامية؟

كيف تمسك المسلمون بوعودهم وعهودهم المؤلمة مع العدو، لأن "كلمة المسلم أغلى من كل شيء"؟

وكيف تجسّد أعظم عفو في التاريخ في لحظة القوة المطلقة والنصر الساحق؟

أتمنى أن تكون مستعدًا لرحلة ستُزعزع نظرتك المسبقة، ليس لمعلوماتك الدينية فحسب، بل ربما لمفهوم "الحرب" و "الأخلاق" ذاته.

هيا بنا نبدأ اكتشاف ما كان يجب أن نعرفه منذ زمن طويل...

غزة تحت القصف: شهادة على انهيار الأخلاق

وقبل أن نخوض في رحلتنا عبر أخلاقيات الحرب في الإسلام، دعونا نتوقف قليلًا أمام المشهد الذي استدعى هذا الكتاب أصلًا: غزة. ما جرى ويجري هناك ليس مجرد حرب تقليدية، بل شهادة حية مفجعة على حجم الانهيار الأخلاقي والقانوني الذي بلغه عالمنا المعاصر.

منذ أكتوبر 2023، تعرض قطاع غزة المحاصر لعدوان إسرائيلي هو الأعنف والأكثر تدميرًا في تاريخه الحديث. الأرقام وحدها كافية لرسم صورة مرعبة: عشرات الآلاف من الشهداء، أكثر من ثلثيهم من الأطفال والنساء، ومثلهم أو يزيد من الجرحى والمفقودين تحت الأنقاض. لقد تم تدمير أكثر من 70% من المباني السكنية في شمال القطاع، وتحويل مناطق بأكملها إلى ركام غير قابل للسكن.

لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة. لقد شهدنا استهدافًا ممنهجًا لكل مقومات الحياة:

المستشفيات لم تعد أماكن آمنة للعلاج، بل أصبحت أهدافًا عسكرية. تم قصف واقتحام وتدمير أكبر مستشفيات القطاع (مثل الشفاء، المعمداني "الأهلي"، ناصر، الإندونيسي، كمال عدوان)، وقتل الطواقم الطبية والمرضى والنازحين الذين لجأوا إليها، تحت ذرائع ثبت بطلان الكثير منها لاحقًا بتقارير دولية مستقلة.
المدارس والملاجئ تم قصف عشرات المدارس التابعة للأونروا وغيرها، والتي كانت تؤوي مئات الآلاف من النازحين الذين أُمروا بترك منازلهم، مما أدى لمجازر مروعة بحق العائلات التي ظنت أنها في مكان آمن.
الطواقم المحمية تم استهداف وقتل المئات من الأطباء والمسعفين وفرق الدفاع المدني والصحفيين (بشكل يُعد الأعلى في الحروب الحديثة)، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الذي يمنحهم حماية خاصة.
التجويع كسلاح حرب تم فرض حصار شامل ومُطبق، مُنع فيه دخول الغذاء والماء والدواء والوقود بشكل كافٍ، مما دفع القطاع بأكمله، وخاصة شماله، إلى مجاعة مروعة، وهو ما اعتبرته منظمات دولية ومحكمة العدل الدولية استخدامًا للتجويع كسلاح حرب.
التهجير القسري تم إجبار أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه تحت القصف، ثم تم استهدافهم حتى في "المناطق الآمنة" المزعومة، في محاولة واضحة لتفريغ الأرض من سكانها.
الأسرى والإعدامات الميدانية تواترت الشهادات المروعة والصور عن عمليات اعتقال جماعية مهينة للمدنيين، وعن حالات تعذيب وتنكيل بالأسرى، بل وعن إعدامات ميدانية موثقة.

كل هذه الفظائع، وغيرها الكثير، جرت تحت سمع وبصر العالم، وبدعم سياسي وعسكري غير مشروط من القوى الغربية الكبرى التي طالما قدمت نفسها كـ "حامية للقانون الدولي وحقوق الإنسان". لقد كانت غزة هي الاختبار الحقيقي، الذي كشف أن هذه الشعارات ليست إلا ستارًا هشًا ينهار بسرعة عندما تتعارض المبادئ مع المصالح. والآن، ونحن نحمل هذه الصورة المؤلمة في أذهاننا، دعونا ننطلق لنرى كيف قدم الإسلام بديلاً أخلاقيًا مختلفًا جذريًا قبل 14 قرنًا.

1. "حتى في الحرب.. هناك رحمة؟": الفكرة الصادمة التي غيّرت العالم القديم.

تخيّل معي للحظة... عالمٌ لا يعرف للرحمة مكانًا في قاموس القوة. عالمٌ القوة فيه هي الحق الأوحد، وشريعة الغاب هي الدستور الفعلي. عالمٌ تغرق فيه الأرض تحت سنابك خيل الغزاة، وتُبنى أمجاد الإمبراطوريات العظمى على جماجم الشعوب المغلوبة. عالمٌ تكون فيه الحرب هي الأصل، والسلام ليس سوى استراحة مُقاتل عابرة بين دماء ودماء.

هذا، يا صديقي، لم يكن خيالًا... بل كان واقع الأرض الثقيل والمظلم قبل أربعة عشر قرنًا.

بربرية مُقنّعة باسم "الحضارة"

كانت القوى العظمى آنذاك، "فارس" شرقًا و"الروم" غربًا، تتقاسم الكوكب بمنطق الحديد والنار. جيوشهم تجتاح الممالك الصغيرة الضعيفة، تستعبد أهلها، تنهب خيراتها، وكل ذلك يتم بكل فخر تحت لافتة "الحضارة" أو "المجد الإمبراطوري".

هل قرأت يومًا عن "مسيرة النصر" الرومانية؟ لم تكن مجرد احتفال، بل كانت استعراضًا للقوة عن طريق إذلال الأسرى. هل سمعت عن صلبهم لآلاف الأسرى على قارعة الطريق كـ "رسالة رعب" لكل من يفكر في التمرد؟ أو عن تدميرهم لقرطاج، منافستهم الكبرى، تدميرًا كاملاً لدرجة أنهم (كما تقول الروايات) حرثوا أرضها بالملح حتى لا تنبت زرعًا بعدها أبدًا؟

ولم يكن الأمر مقتصرًا على الإمبراطوريات الكبرى، فحتى الحروب القبلية في مختلف أنحاء العالم، من أوروبا الوثنية إلى أمريكا ما قبل كولومبوس، كانت غالبًا ما تنتهي بمذابح جماعية أو استرقاق كامل للقبيلة المهزومة. فكرة 'حقوق الأسير' أو 'حرمة المدني' كانت شبه غائبة عن الضمير الإنساني العام.

هذه الممارسات، في الواقع، لم تكن "جرائم حرب" استثنائية كما نسميها اليوم، بل كانت جزءًا أصيلاً من "فن الحرب" المتعارف عليه والمقبول تمامًا.

جاهلية لا تعرف الرحمة

وماذا عن قلب الجزيرة العربية، مهد الرسالة القادمة؟

صحيح، كان لأهلها شمائل فطرية أصيلة: كرم يُضرب به المثل، وشجاعة تُحكى عنها الأشعار، ووفاء نادر. لكن، ومع ذلك، كل هذا النبل الفطري ضاع في ظلمات "الجاهلية".

لقد كانت بوصلتهم الأخلاقية معطلة تمامًا. عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر، ووأد للبنات خوفًا من العار، وعصبية قبلية عمياء تجعل الحرب تستمر أربعين عامًا كاملة بسبب ناقة واحدة كما في "حرب البسوس"، الاصطفاف الأعمى للقبيلة حتى في حالة الظلم الصريح.

ولم تكن حرب البسوس حالة استثنائية، بل كانت حالة الحرب والثأر هي القاعدة السائدة التي لا تعرف الرحمة، كما يصف المستشرق والرسام الفرنسي إيتيان دينيه، الذي اعتنق الإسلام لاحقًا: "كان ميل العرب إلى التباهي، وحساسيتهم المرهفة فيما يتعلق بالكرامة وكبرياؤهم، من أكبر العقبات التي تمنعهم من الخضوع للنظام... وكان من الطبيعي أن تستمر الحرب فلا تنقطع، وأن يحل الثأر، الذي لا هوادة فيه ولا رحمة، محل التقاضي، فتسيل الدماء في كل بقاع الجزيرة العربية".

يوضح هذا الوصف كيف أن الثقافة الجاهلية نفسها كانت تغذي حالة الحرب الدائمة وتجعل منطق الثأر هو السائد، مما يبرز قيمة التغيير الجذري الذي أحدثه الإسلام بإرساء قواعد العدل بدلاً من العصبية.

كانت الحرب في هذا الوقت طقسًا اجتماعيًا، ومجالًا للتفاخر. الشاعر يُخلّد اسم القاتل لا اسم المنقذ.

والمجد يُقاس بعدد الرؤوس المقطوعة، لا بعدد الأرواح المحفوظة. أما الرحمة بالعدو المهزوم؟ كلمة لا معنى لها في قاموسهم. الأسير إما يُقتل، أو يُباع عبدًا، أو يُترك ليموت جوعًا.

المنتصر يفعل ما يشاء، فهذا "حقه" الطبيعي. لا قانون يردعه. ولا ضمير يؤنبه. ولا إله يُحاسبه بنظرهم.

القنبلة الأخلاقية: "ولا تعتدوا"

وفي وسط هذا الليل الطويل المظلم... في قلب تلك الصحراء التي لم تكن تعرف سوى قانون القوة... جاء الإسلام.

وجاء معه بفكرة بدت في ذلك الوقت أغرب من الخيال... فكرة صادمة بكل المقاييس التي عرفها البشر: "حتى في الحرب... هناك رحمة."

ماذا؟ رحمة في الحرب؟! في لحظة الغليان والدم والانتقام؟ كيف يمكن أن يُطلب من المنتصر، وهو في أوج قوته ونشوته، أن يضبط نفسه؟ أن يكبح سيفه؟ أن يحترم حق عدوه الذي كان يريد قتله قبل لحظات؟

لقد كانت هذه الدعوة انقلابًا جذريًا على كل "مسلّمات" القوة التي عرفها البشر.

كانت ثورة أخلاقية حقيقية. فالعالم لم يكن يعرف إلا قانونًا واحدًا: البقاء للأقوى. أما الإسلام فجاء بقانون جديد تمامًا: البقاء للأتقى. تلك التقوى التي تمنعك من الظلم حتى وأنت قادر عليه تمامًا.

الإسلام، في الواقع، لم يأتِ بنظام ملائكي خيالي. لم يقل "ألغوا الحروب"، فهو يعلم أنها جزء من واقع البشر وتقلباتهم ما دام هناك ظلم وعدوان. لكنه جاء ليحول هذه الحرب... من "فوضى وحشية" تُدار بالغرائز والانتقام، إلى "عملية منضبطة" تُدار بضوابط فريدة مصدرها رب السماء والأرض.

قال للعالم لأول مرة:

حتى في ذروة الغضب... هناك حدود إلهية لا يجوز تجاوزها.

حتى في لحظة النصر... لا يجوز أن يُنسى العدل، ولا تُهدر الكرامة الإنسانية.

وهذا ما تجسّد في تلك الآية القرآنية التي كانت بمثابة "القنبلة الأخلاقية" الأولى في وجه ذلك العالم الوحشي: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ... وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. [البقرة: 190]

تخيّل مقاتلًا يحمل السيف بيدٍ ترتجف من خشية الله. أمامه عدوٌّ كان يطارده منذ لحظات، لكن صوت الآية ما زال يدوّي في قلبه: ولا تعتدوا. في تلك اللحظة، يحدث الصدام الأعظم بين غريزة الانتقام وصوت الضمير. ذلك الصراع الداخلي هو ما جعل من المسلم الحقيقي إنسانًا يسمع أوامر الله فوق صخب الدماء. إنها لحظة انتصار الروح على الغريزة، تلك هي المعجزة الأخلاقية التي لا تصنعها الجيوش بل الإيمان.

وتأمل معي هذا الدستور: "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ"... فقط! إنه تحديد مدهش يضع "مبدأ التمييز" لأول مرة في التاريخ، فيعزل غير المحاربين تمامًا عن دائرة الصراع. ثم القيد المطلق: "وَلَا تَعْتَدُوا"... مهما كانت الظروف!

بهذه الكلمات البسيطة، وُلد عصر جديد في تاريخ الإنسانية. عصر لم تعد تُقاس فيه القوة بكمية الدماء المسفوكة، بل بقدرة الإنسان على كبح وحشيته الداخلية حين ينتصر. قد يبدو هذا مألوفا اليوم لمن يقرأ مواثيق "جنيف" وينخدع بها. لكن تخيل سماع هذا الكلام لأول مرة في عالمٍ يعتبر الإبادة فخرًا، والتمثيل بالجثث بطولة! لقد كانت فكرة صادمة حقًا.

الصدام مع الواقع: عندما تُصبح الإبادة "عبادة"

قد تظن أن هذا مجرد تاريخ قديم تجاوزته البشرية "المتحضرة". لكن مهلًا... انظر فقط إلى ما حدث ويحدث في غزة! لقد شاهدنا بأم أعيننا كيف يمكن لجيش حديث، مدعوم بأقوى دول العالم، أن يمارس ما وصفته محكمة العدل الدولية بأنه قد يرقى إلى "إبادة جماعية". لقد رأينا استهدافًا ممنهجًا للأطفال والنساء، قصفًا للمستشفيات والمدارس، ومحاولة لتحويل قطاع بأكمله إلى مكان غير قابل للحياة، ومنها قصف مستشفى المعمداني الذي أودى بحياة المئات"، "استهداف مدارس الأونروا التي تؤوي النازحين بشكل متكرر"، "مشاهد قتل الأطفال وهم يحملون الرايات البيضاء"، "استشهاد عائلات بأكملها ومحوها من السجل المدني.

والأخطر والأكثر إثارة للصدمة، هو الغطاء الديني الذي استُخدم لتبرير هذه الوحشية! لقد سمعنا بأذاننا قادة إسرائيليين يستدعون نصوصًا توراتية قديمة لتأجيج مشاعر الجنود وتصوير الفلسطينيين كـ "عماليق" يجب إبادتهم. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، استشهد بسفر صموئيل الأول قائلاً لجنوده: "تذكروا ما فعله بكم عماليق"!

وماذا يقول النص الذي يستشهد به هذا القائد في القرن الحادي والعشرين؟ إنه يأمر، كما يُزعم باسم الرب، ليس فقط بقتل المقاتلين، بل بإبادة شاملة مروعة: "فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا (أي دمروا تدميرًا كاملاً) كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا." (سفر صموئيل الأول 15: 3).

توقف هنا واستوعب هول الكلمات! "طفلاً ورضيعًا"!! بل وحتى الحيوانات! إنها دعوة صريحة للإبادة الجماعية، تُقدم كـ "فريضة دينية"!

ليست حالة معزولة، بل فلسفة متجذرة

ولكي لا نظن أن هذا النص هو "حالة معزولة" تم اجتزاؤها من سياقها، دعنا ننظر إلى القاعدة العامة للحرب المقدسة (الحِرِ‌م) كما يضعها سفر التثنية عند الدخول إلى مدن الأعداء:

"وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ." (سفر التثنية 20: 16-17).

"لا تستبقِ منها نسمةً ما"! هذا هو الأمر العام. وكيف كان التطبيق العملي لهذا الأمر؟ يخبرنا سفر يشوع عن احتلال مدينة أريحا:

"وَحَرَّمُوا (أي أبادوا) كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ - حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ - بِحَدِّ السَّيْفِ." (سفر يشوع 6: 21).

إذًا، نحن أمام فلسفة حرب متكاملة تعتبر إبادة المدنيين، بمن فيهم الأطفال والشيوخ، جزءًا لا يتجزأ من "الواجب المقدس" لضمان النقاء العرقي أو الديني للأرض.

وعندما يستدعي قائد سياسي حديث هذه النصوص، فهو لا يقتبس التاريخ، بل يُفعّل عقيدة قتالية تنزع الإنسانية عن الضحية، وتحوّل القتل من "جريمة" إلى "واجب مقدس"، وتجعل الإبادة "عبادة".

والمفارقة المرة أن هذا الاستدعاء لنصوص الإبادة ليس مجرد خطاب ديني متطرف معزول، بل هو امتداد لفكر استعماري غربي طويل اعتبر الشعوب الأخرى "أدنى" أو "عائقًا" يجب إزالته. ألم يُبِد المستعمرون الأوروبيون شعوبًا أصلية بأكملها في الأمريكتين وأستراليا تحت دعاوى "تفوق العرق الأبيض" أو "نشر الحضارة"؟ ألم تُرتكب مذابح مروعة بحق السكان الأصليين، وتُبرر بأنهم "متوحشون" لا يستحقون الأرض التي يعيشون عليها؟ إن استدعاء نصوص "عماليق" اليوم ليس إلا صدى لتلك الذهنية الإقصائية التي ترى في الآخر تهديدًا وجوديًا يجب سحقه بلا رحمة، حتى لو ارتدت اليوم قناع "الدفاع عن النفس".

والمفارقة الأشد مرارة، أن هذا الخطاب المتطرف لم يجد الإدانة الكافية من داعمي إسرائيل في الغرب، بل استمر الدعم العسكري والسياسي بلا هوادة. بل إن بعض المسؤولين والسياسيين (خاصة من اليمين الديني أو التيار الإنجيلي) لا يخفون أن دعمهم المطلق لإسرائيل ينطلق من قناعات دينية توراتية يرون فيها أن دعم "شعب الله المختار" هو "واجب إنجيلي" لتحقيق نبوءات آخر الزمان!

قال رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون: إن هناك توجيها في الإنجيل يدعو للوقوف إلى جانب إسرائيل.

وقال السفير السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي أثناء لقاء له مع الحاخام موشيه هليل هيرش: "لم يختر الله شعبا فحسب، بل اختار مكانا، ثم اختار لهؤلاء الأشخاص في هذا المكان هدفا. الشعب كان الشعب اليهودي، والمكان إسرائيل، والهدف أن يكونوا نورا للعالم.. الله لم يتخلّ يوما عن إسرائيل، ولن يتخلى أبدا. فهي الوطن الأبدي الذي اختاره".

وقال السيناتور الأمريكي تيد كروز عن سر دعمه للكيان الصهيوني في لقاء مع الصحفي تاكر كارلسون: تعلمت في مدرسة الأحد أن من يبارك إسرائيل يُبارك ومن يلعن إسرائيل يُلعن.

الصرخة الإسلامية الأولى: "لا تقتلوا طفلًا!"

والآن، عد بذاكرتك 14 قرنًا إلى الوراء. في وسط هذا العالم الذي يبرر الإبادة بنصوص "مقدسة"، وفي قلب الجزيرة العربية التي لم تكن تعرف إلا الثأر... جاء الإسلام.

وجاء معه بصرخة مدوية ضد هذا المنطق الدموي، صرخة بدت صادمة ومستحيلة في ذلك الزمن: "حتى في الحرب... هناك رحمة!" "لا تقتلوا طفلاً!"

بدلاً من الأمر بقتل "الرجل والمرأة والطفل والرضيع"، جاءت الآية القرآنية المحورية لتضع قيدًا ثوريًا: ﴿...وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

قارن الصدمة بين النصين:

هناك: "اقتل الطفل والرضيع..." (إبادة شاملة مُقدّسة!).

هنا: "قاتلوا فقط الذين يقاتلونكم"، "ولا تعتدوا" (تمييز دقيق وحرمة مطلقة لغير المقاتل).

وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا بشكل قاطع لا لبس فيه، في وصايا النبي لجيوشه: "لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا شَيْخًا فَانِيًا". وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة في إحدى المعارك، غضب غضبًا شديدًا وقال مستنكرًا: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ؟!".

لقد جاء الإسلام ليضع حدًا فاصلاً بين "الحرب" كضرورة مؤلمة لرد العدوان، وبين "الإبادة" كجريمة وحشية. جاء ليقول إن قدسية الحياة التي وهبها الله، خاصة حياة الأبرياء، تسمو فوق كل اعتبار، حتى في أوج المعركة.

إن صرخة "لا تقتلوا طفلاً" التي أطلقها الإسلام قبل 14 قرنًا، لم تكن مجرد قانون حرب متقدم، بل كانت ثورة أخلاقية ضد منطق الإبادة "المقدسة" الذي نرى اليوم كيف يمكن إحياؤه وتوظيفه لتبرير أبشع الجرائم.

وهذا بالضبط ما يجعل هذا المبدأ الإسلامي ليس مجرد "حقيقة مدهشة" نقرأها في كتب التاريخ، بل ضرورة إنسانية ملحة لإنقاذ

2. "السلام أولاً، دائماً": القاعدة المنسية في فلسفة الحرب الإسلامية.

أرجوك، حاول أن تنسى للحظات تلك الصورة النمطية العالقة في ذهنك عن الإسلام وكأنه دين "سيف" فقط. استعد لسماع قاعدة أساسية، ولكنها مهمَلة أو ربما تُتجاهَل عمدًا في خضم النقاشات الحادّة: في الإسلام، الأصل هو السلام، دائمًا.

نعم، قرأت هذا الكلام بشكل صحيح. السلام هو الحالة الطبيعية والفطرية التي أرادها الله، إنه القاعدة الراسخة. أما الحرب، فهي مجرد استثناء مؤلم، هي في الحقيقة "آخر الدواء الكي"، الذي لا يُلجأ إليه إلا اضطرارًا وبإكراه، وذلك حصرًا لرد عدوان غاشم بدأه الآخرون، أو لرفع ظلم بات لا يمكن دفعه إلا بالقوة.

السلام: في جوهر العقيدة واللغة

هذا ليس مجرد كلام عاطفي مثالي أو شعار فضفاض يُرفع بلا مضمون.

على العكس تمامًا، إنه جزء أصيل ومتأصل في الفلسفة التشريعية للإسلام.

من الناحية اللغوية والعقائدية: كلمة "الإسلام" نفسها مشتقة من الجذر "س-ل-م"، الذي يحمل في طياته معنى السلام، والاستسلام لله. تحية المسلمين الخالدة هي "السلام عليكم"، واتخذ الله لنفسه اسم "السلام". كيف يمكن لدين جوهره "السلام" أن يجعل "الحرب" هي الأصل؟

هذا تناقض لا يستقيم منطقًا.

إلزامية قبول السلام (حتى في قلب المعركة)

والدليل الأقوى الذي يثبت أن "السلام أولًا" ليس مجرد أمنيات بسيطة، هو ذلك الأمر الإلهي الواضح والصريح الذي نزل ليحكم سلوك المؤمنين حتى في أحلك اللحظات وأكثرها توترًا: أثناء القتال الملتهب.

تخيل المشهد: أنت الآن في قلب المعركة، ربما تكون الكفة تميل لصالحك، وفجأة يُظهر عدوك أي ميل بسيط نحو وقف القتال. ماذا يملي عليك منطق الحرب الأرضي؟

غالبًا ما سيقول لك: "لا تضيع الفرصة! اسحقه الآن، هذا هو وقت القضاء عليه نهائيًا!". لكن، ومع ذلك، الإسلام يتدخل ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا:

قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61].

دعنا نتأمل دلالة الكلمات قليلًا:

﴿وَإِن جَنَحُوا﴾: كلمة "جنح" تحمل معنى "مال" أو "أظهر ميلًا". أي أن الأمر لا يتطلب منهم تقديم عرض كامل ومفصّل للاستسلام؛ يكفي أن يُظهروا مجرد بادرة بسيطة، مجرد ميل نحو إيقاف القتال.
﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾: هنا يكمن الإلزام الوري. الفاء تدل على التعقيب الفوري، والأمر "اجنح" هو إلزام شرعي لا خيار فيه. ليس مسموحًا لك فقط أن تقبل السلام، بل يجب عليك أن تميل إليه فورًا كما مالوا هم.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} هذه الآية تختتم بتطمينات إلهية موجهة ضد الخوف البشري الطبيعي من "الخديعة" أو "المكر". قد يتردد القائد ويفكر: "ربما تكون مجرد خدعة للاستراحة وإعادة التموضع!". فيأتي الجواب الإلهي الفاصل: قم بواجبك الأخلاقي بالميل للسلم، واترك أمر البواطن على الله، فهو وحده السميع العليم الذي لا تخفى عليه خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

هذا الأمر الرباني، بكل بساطة، يُسقط تمامًا فكرة "الحرب الشاملة" أو "الإبادة النهائية للعدو" التي تسيطر على الفكر العسكري لكثير من الحضارات.

الهدف ليس الانتقام، وليس القضاء على الطرف الآخر أو فرض استسلامه بلا شروط، كما هو مطلوبٌ في غزة.

الهدف الأسمى هو وقف نزيف الدم، وإحلال العدل بأسرع ما يمكن. حتى لو كنت في قمة قوتك، وحتى لو كان النصر العسكري الساحق قاب قوسين أو أدنى، فإن يد السلام إذا مُدّت إليك، ولو بتردد، يجب عليك أن تقابلها بيدٍ ممدودة.

في الواقع، لم يكن هذا المبدأ مجرد نص نظري يُتلى، بل رأيناه مطبقًا في مواقف تاريخية حاسمة. لنتذكر فقط قبول النبي صلى الله عليه وسلم بـ "صلح الحديبية" بشروطه التي بدت لبعض الصحابة مهينة ومجحفة.

لم يكن قبوله إلا لأنه يفتح بابًا عظيمًا للسلام ويحقن الدماء، مؤكدًا أن الهدف الأسمى ليس الانتصار العسكري الآني، بل فتح فرص جديدة للدعوة والنظر للمستقبل.

وهذا المبدأ الإسلامي ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ لا يعني فقط قبول السلام عند عرضه، بل يعني أيضًا السعي النشط لتهيئة الظروف التي تجعل السلام ممكنًا، وعدم وضع شروط تعجيزية تهدف لإطالة أمد الحرب بحجة 'النصر الكامل'، وهو ما نراه للأسف نهجًا سائدًا في كثير من صراعات اليوم التي تُدار بمنطق 'تصفير المشاكل' بالقوة العسكرية لا بالحكمة السياسية.

المقارنة الصادمة: غزة تفضح دعاة السلام

والآن، قارن هذه الفلسفة التي تجعل الحرب استثناء والصلح إلزامًا، بما نراه اليوم: سباق تسلح جنوني، مليارات الدولارات تُنفق على أدوات الدمار، انتشار نظريات "الحرب الاستباقية" (Preemptive War) التي تبرر العدوان قبل وقوعه، وإصرار على مطالب "الاستسلام غير المشروط" التي تُطيل أمد الحروب وتضاعف عدد الضحايا.

ولعل المثال الأكثر إيلامًا ووضوحًا في عصرنا هو ما شهدناه ونشهده في غزة.

لقد صرخ العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، مطالبًا بوقف إطلاق النار. هيئات دولية، منظمات إنسانية، شعوب انتفضت في كل القارات... الكل طالب بوقف نزيف الدم. عُرضت مبادرات، قُدمت اقتراحات هدنة، بُذلت جهود دبلوماسية مضنية.

ولكن، ماذا كانت النتيجة؟

رأينا إصرارًا غير مفهوم على استمرار آلة الحرب، ورفضًا متكررًا لكل دعوات وقف الحرب، حتى تلك التي صدرت عن أقرب الحلفاء.

رأينا كيف استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، مرارًا وتكرارًا، ليس لتحقيق السلام، بل لمنع صدور مجرد قرار يطالب بوقف القتال!

رأينا كيف استمر تدفق الأسلحة بلا توقف إلى الطرف الذي يرفض وقف إطلاق النار وهي إسرائيل، مما أطال أمد حرب (امتدت لعامين كاملين) تحمل كل سمات الإبادة الجماعية.

والأدهى من ذلك، سمعنا تصريحات رسمية من قادة الاحتلال أن أي حديث عن "وقف دائم لإطلاق النار" هو أمر "غير مطروح" وأن الهدف هو "النصر الكامل" أو "القضاء التام"، وهو بالضبط عكس المنطق القرآني الذي يأمر بالجنوح للسلم بمجرد وجود بادرة.

عندما تقارن هذا الإصرار المتعطش للحرب ورفض كل ميل نحو السلم، مع الأمر الإلهي الواضح للمسلمين: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾...

هنا بالضبط... تدرك حجم الهوة الأخلاقية السحيقة بين حضارة ترى السلام واجبًا يُسعى إليه حتى مع العدو، وحضارات أخرى ترى الحرب غاية تُبرر كل الوسائل، حتى لو كان الثمن هو دماء عشرات الآلاف من الأبرياء.

3. قتالٌ في سبيل الله، لا من أجل الذهب أو المجد: "النية"

لماذا تشتعل الحروب عبر التاريخ؟ لو ألقيت نظرة سريعة، ستجد الإجابات تتكرر: من أجل السيطرة على الأرض والموارد، من أجل توسيع النفوذ السياسي، من أجل الثأر والانتقام القبلي، من أجل المجد الشخصي للقادة، أو حتى من أجل فرض أيديولوجية معينة بالقوة. بصراحة، كلها دوافع تبدو "منطقية" في عالم لا يهتدي بنور الوحي وتحكمه المصالح الأرضية البحتة.

لكن، الإسلام جاء هنا بمفهوم مختلف تمامًا، مفهوم قد يبدو غريبًا أو حتى "غير واقعي" لمن اعتاد على حسابات السياسة والمادة. لقد وضع الإسلام شرطًا داخليًا خفيًا، لا يطّلع عليه إلا الله، .لكنه يحدد شرعية القتال برمته، ويرفع معناه من عمل دنيوي بحت إلى مرتبة العبادة.

هذا الشرط هو: النية. أن يكون القتال "فِي سَبِيلِ اللَّهِ" حصرًا.

ما معنى "في سبيل الله" حقًا؟

هل هو مجرد شعار يُرفع على الرايات؟ هل هو غطاء ديني لتمرير حروب المصالح، كما تفعل الكثير من الأمم؟ الإسلام يجيب بوضوح قاطع: لا.

"في سبيل الله" تعني أن الدافع الوحيد، والمحرك الأساسي للمعركة، يجب أن يكون ابتغاء وجه الله، والسعي لتحقيق ما يرضيه. وما الذي يرضيه؟

إقامة العدل.

رفع الظلم عن المستضعفين.

حماية الحق في الاعتقاد (لا إجبار الناس عليه).

رد العدوان الذي وقع على الأمة.

إنه يعني، بالضرورة، تطهير القلب تمامًا من أي شائبة أخرى:

لا قتال من أجل الغنيمة والثروة. (فالغنيمة تأتي كنتيجة، لا كهدف).

لا قتال من أجل العصبية القبلية أو القومية أو الوطنية. (الحميّة الجاهلية).

لا قتال من أجل السمعة والتباهي بالشجاعة أمام الناس. (الرياء).

لا قتال من أجل الانتقام الشخصي أو تشفّي الصدور.

كل هذه الدوافع "الأرضية" تسقط القتال فورًا من مرتبة "الجهاد" المقدس، إلى مجرد "قتال" جاهلي لا قيمة له عند الله، حتى لو بدا ظاهره نصرةً للدين.

ميزان النوايا: حديث واحد يختصر كل شيء

والدليل على هذا التمحيص الدقيق للنية، هو ذلك الحوار المدهش الذي يعتبر "ميزان النوايا" في الإسلام. لقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أصناف من المقاتلين (وهي نماذج تتكرر في كل عصر): "الرجل يقاتل للمغنم (من أجل الغنيمة)، والرجل يقاتل للذِّكر (ليُذكر ويشتهر بالشجاعة)، والرجل يقاتل ليرى مكانه (ليُعرف بين الناس أنه بطل)... فمن في سبيل الله؟"

فجاء الجواب النبوي الحاسم الذي وضع الميزان النهائي لكل قتال إلى يوم القيامة: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ." [متفق عليه].

"كلمة الله" هنا ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي منظومة القيم الإلهية: العدل، والحق، والرحمة، وتحرير الإنسان من عبادة غير الله. فمن قاتل لتكون هذه القيم هي العليا، وليس مجده الشخصي أو غنيمته أو عصبية قومه، فهو وحده من يقاتل "في سبيل الله".

لماذا النية هي "الضمانة الأخلاقية" الأولى؟

هذا الشرط "السري" للنية هو، في رأيي، أهم وأدق ما يميز أخلاق الحرب في الإسلام.

لماذا؟ لأنه يجعل المقاتل رقيبًا على قلبه قبل أن يكون رقيبًا على سلاحه. إنه "بوصلة داخلية" تضبط كل حركة في المعركة، وتجعل المقاتل مسؤولاً مباشرة أمام الله، لا أمام قائد جيشه أو محكمة أرضية.

فكر فيها بمنطق: المقاتل الذي يخرج وهو يعلم أن الله ينظر إلى قلبه (كما في الحديث: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ")، كيف يمكنه أن يرضي الله بارتكاب ما يغضبه؟

كيف يمكن أن يقتل طفلًا بريئًا والله يأمره بالرحمة؟

كيف يمكن أن يغدر بعهد أعطاه باسم الله والله يحرم الغدر؟

كيف يمكن أن يسرق من الغنيمة (يغلّ) والله يراقبه؟

كيف يمكن أن يمثل بجثة والله كرم بني آدم؟

إن النية "في سبيل الله" ليست مجرد حالة روحية منعزلة، بل هي الضمانة الأخلاقية الأولى التي تجعل الوسيلة شريفة ونبيلة كشرف الغاية ونبلها.

فلا يمكن الوصول إلى "كلمة الله العليا" عبر وسائل دنيا لا يرضاها الله.

بل إن الفقه الإسلامي يذهب أبعد من ذلك، فيقرر أن العمل العسكري مهما بدا بطوليًا، إذا شابته نية فاسدة (كرياء أو عصبية أو طلب للدنيا)، فإنه لا يُعتبر جهادًا ولا يُثاب صاحبه، بل قد يُعاقب عليه. وهذا ما يؤكده حديث 'أول من تُسعّر بهم النار يوم القيامة' ومنهم المجاهد الذي قاتل ليُقال جريء، فقد قيل. (رواه مسلم). هذا التمييز الدقيق بين 'القتال' و 'الجهاد' بناءً على النية هو فريد في التشريع الإسلامي.

حروب "الشعارات" وحروب "الغايات"

ولننظر إلى واقعنا لنرى الفرق بوضوح: كم من الحروب الحديثة شُنت تحت شعارات براقة مثل "نشر الديمقراطية" أو "محاربة الإرهاب" أو "التدخل الإنساني" أو "حماية الأمن القومي"؟

لكن، ما إن تنجلي غبرة المعارك، حتى يكتشف العالم أن الدوافع الحقيقية كانت شيئًا آخر تمامًا:

السيطرة على موارد النفط والغاز.

تأمين طرق التجارة العالمية.

إسقاط أنظمة لا تخدم مصالح القوى الكبرى.

بيع السلاح وتجربة التقنيات العسكرية الجديدة.

لنأخذ غزو العراق عام 2003 كمثال صارخ. قُدم للعالم مبرر "أسلحة الدمار الشامل" الذي ثبت كذبه بشكل فاضح. ورغم الدمار الهائل الذي لحق بالبلاد ومقتل مئات الآلاف من المدنيين، فإن الدوافع الحقيقية كانت تتعلق بالسيطرة على "الذهب الأسود" وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

عندما يكون الدافع هو "النفط" أو "النفوذ الجيوسياسي"، وليس "كلمة الله هي العليا"، فمن الطبيعي جدًا أن تسقط كل الاعتبارات الأخلاقية. يصبح المدنيون "أضرارًا جانبية" مقبولة. ويصبح تدمير البنية التحتية "ضرورة عسكرية". ويصبح نهب ثروات البلاد "إعادة إعمار".

إن الفارق الذي يصنعه "الإخلاص لله" في النية ليس مجرد فارق روحي، بل هو فارق "أخلاقي" جذري يغير طبيعة الحرب بأكملها. فالذي يقاتل من أجل الله، لا يمكن أن يستبيح الحرمات لتحقيق نصر زائل. أما الذي يقاتل من أجل الدنيا، فسيجد ألف مبرر ومبرر ليسحق كل قيمة إنسانية في طريقه نحو هدفه المادي.

4. "تحرير" لا "احتلال": القصة الحقيقية لفتح مصر وعودة البطريرك الهارب!

عندما تسمع عن "الفتوحات الإسلامية"، ما الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية غالبًا؟ جيوش تجتاح أراضي الغير، تفرض دينها بالسيف، وتستولي على خيرات البلاد... أليس كذلك؟ بصراحة، هذه هي الصورة النمطية السائدة.

لكن، استعد لتسمع قصة مختلفة تمامًا، قصة قد تجعلك تُعيد النظر في معنى كلمة "فتح" في السياق الإسلامي. سنأخذ فتح مصر كمثال صارخ، ليس لأنه مجرد حدث تاريخي كبير، بل لأنه يكشف عن فلسفة "التحرير" المدهشة التي حملها الإسلام للعالم.

كابوس الاضطهاد الديني البيزنطي

لفهم ما حدث، يجب أن نعود بالزمن إلى مصر قبل وصول المسلمين. لم تكن مصر بلدًا مستقلاً سعيدًا. على الإطلاق. بل كانت مقاطعة ترزح تحت وطأة الاستعمار البيزنطي (الروماني الشرقي) لأكثر من ستة قرون!

ولم يكن هذا مجرد استعمار سياسي واقتصادي ينهب قمح البلاد وثرواتها (رغم فداحته)، بل كان الأسوأ منه هو الاضطهاد الديني الوحشي.

وهنا تكمن التفاصيل التي لا يخبرونك بها: الإمبراطورية البيزنطية، بعد "مجمع خلقيدونية" (عام 451 م)، فرضت مذهبها المسيحي الرسمي (الملكاني الخلقيدوني) بالقوة على الأغلبية الساحقة من أهل مصر (الأقباط الأرثوذكس)، الذين رفضوا قرارات هذا المجمع واعتُبروا "هراطقة" يجب سحقهم.

وصل الاضطهاد إلى درجة مروعة. المؤرخون (ومنهم الأسقف القبطي يوحنا النقيوسي الذي عاصر الأحداث) يصفون كيف كانت تُمارس عمليات تعذيب وقتل ممنهج ضد الأقباط. وكان رمز هذا الاضطهاد هو حاكم مصر البيزنطي "المقوقس" (وهو في الأغلب البطريرك الملكاني "كيرس")، الذي جمع بين السلطتين الدينية والعسكرية، واستخدمهما لقمع المصريين بلا رحمة.

وكانت قمة المأساة تتمثل في مصير زعيم الأقباط الروحي، البطريرك بنيامين الأول. لقد اضطر هذا الرجل للهرب من بطش البيزنطيين، وظل مختبئًا في الصحاري والأديرة النائية لمدة 13 عامًا كاملة! تخيل... زعيم أكبر طائفة دينية في البلاد يعيش طريدًا هاربًا في وطنه! هذا هو حجم القهر الذي كانت تعيشه مصر.

لقد وصل بهم الأمر إلى مصادرة الكنائس، بل وتحويل بعضها إلى زرائب للحيوانات، ناهيك عن القتل والتعذيب الممنهج لفرض معتقدهم.

ولم يكن الاضطهاد البيزنطي لنصارى مصر مجرد خلاف لاهوتي، بل ارتبط بسياسات تمييز اقتصادي واجتماعي، حيث كانت تُفرض ضرائب باهظة على المصريين لدعم خزينة القسطنطينية، ويحرم النصارى من المناصب العليا. هذا المزيج من القهر الديني والاستغلال الاقتصادي هو ما جعل الكثير منهم يرحبون بالتغيير الذي مثله وصول المسلمين.

مفاجأة الفاتح عمرو بن العاص

ثم... في عام 640 ميلادي تقريبًا... وصل جيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه. ماذا كانت ردة فعل المصريين الأقباط؟ هل اعتبروا وصول الجيش المسلم تهديدًا جديدًا وقاوموه؟

المفاجأة أن الكثير منهم إما وقفوا على الحياد، أو حتى قدموا مساعدات لوجستية للمسلمين. لماذا؟ ليس حبًا بالضرورة في الدين الجديد الذي لا يعرفونه بعد، بل كرهًا شديدًا لمضطهديهم البيزنطيين، ورغبةً عارمة في الخلاص من كابوسهم الطويل. لقد رأوا في وصول المسلمين فرصة للتغيير، وربما للأفضل.

لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد انتصار المسلمين ودخولهم مصر. كيف تصرف القائد الذي يصف البعض فتحه لمصر بالاحتلال والغزو؟

عادةً؟ ينصّب حاكمًا عسكريًا، يبدأ بفرض ثقافته ودينه، ويوزع الأراضي على جنوده.

لكن عمرو بن العاص فعل شيئين مدهشين يكشفان نية "التحرير" لا "الاحتلال":

أعطى الأمان العام والشامل لجميع سكان مصر على أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم.

وهو الأمر الأكثر إدهاشًا: أصدر نداءً عامًا يبحث فيه عن البطريرك الهارب بنيامين الأول! ودعاه للعودة من مخبئه مع ضمان الأمان التام له ولأتباعه.

أعاد للنصارى الأرثوذكس كل كنائسهم مرة أخرى.

توقف هنا وتأمل! القائد المنتصر يبحث بنفسه عن الزعيم الديني للشعب "المفتوح" ليعيده إلى كرسيه!

هل سمعت بمثل هذا في التاريخ؟

لو لم تُسجَّل هذه الوقائع في كتب التاريخ الموثوقة، لظنّ البعض أنها أسطورة من زمنٍ لا يُصدَّق. لكنّ التاريخ يشهد: حين دخل عمرو بن العاص مصر لم يكن فاتحًا يطلب الغنيمة، بل طبيبًا يعالج أمّةً مريضة بالظلم. جاء بسيفٍ يقطع قيد العبودية، لا أعناق الناس. تلك اللحظة كانت ميلادًا جديدًا للحرية باسم الله، لا باسم الإمبراطورية.

وبالفعل، عاد البطريرك بنيامين من منفاه بعد 13 عامًا، واستقبله عمرو بن العاص بالاحترام والتقدير. وأُعيد البطريرك إلى منصبه في الإسكندرية، ومُنح النصارى حرية دينية كاملة ومطلقة في ممارسة شعائرهم، وإدارة كنائسهم وأديرتهم، واختيار قادتهم الروحيين دون أي تدخل

من الدولة المسلمة.

وإذا كان عمرو بن العاص قد أعاد البطريرك بنيامين إلى كرسيه، فإنّ الفرنسيين حين دخلوا الجزائر سنة 1830م نهبوا المساجد وحوّلوها إلى إسطبلات، كما حوّلوا جامع كتشاوة في العاصمة إلى كنيسة لمدّة قرن.

الفتح عند المسلمين أعاد للناس كرامتهم، والاحتلال عند الغرب سلبهم حتى هواءهم.

تلك المفارقة التاريخية تشرح ببساطة لماذا أحبّ الشعوبُ الفاتحين المسلمين وكرهوا "المستعمر المتحضّر".

ويقدم الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، وهو مسيحي الديانة وحائز على جائزة غونكور الأدبية، مقارنة تاريخية مؤلمة وصادقة حول مصير الأقليات الدينية، معترفًا بالقدرة المميزة للحضارة الإسلامية على التعايش:

"لو كان أجدادي مسلمين في بلد فتحته الجيوش المسيحية، بدلا من كونهم مسيحيين في بلد فتحته الجيوش المسلمة؛ فلا أظن أنهم كانوا استطاعوا الاستمرار في العيش لمدة أربعة عشر قرنا في مدنهم وقراهم، محتفظين بعقيدتهم؛ فماذا حدث فعليا لمسلمي إسبانيا وصقلية؟ لقد اختفوا حتى آخرهم: ذُبحوا أو هُجّروا أو تم تعميدهم بالقوة! يوجد في الإسلام - ومنذ بداياته - قدرة مميزة على التعايش مع الآخر!!" - أمين معلوف، كتاب "الهويات القاتلة".

شهادة قوية من كاتب مسيحي بارز، تستند إلى الواقع التاريخي المرير الذي شهدته الأندلس وغيرها، لتؤكد أن بقاء المسيحيين واليهود وازدهارهم لقرون طويلة في ظل الحكم الإسلامي لم يكن صدفة، بل نتيجة لقدرة حقيقية ومتأصلة في الإسلام على التعايش، وهو ما افتقدته حضارات أخرى مارست الإبادة أو الإكراه الديني.

ما هو "الفتح"؟ وكيف يختلف عن "الغزو"؟

وهنا نصل إلى جوهر الفهم. لقد استقبل أهل مصر المسلمين ليس كقوة احتلال، بل كمحررين أنقذوهم من ظلم وقهر دام لقرون. وهذا هو الفرق الجوهري بين "الفتح" الإسلامي و "الغزو" الاستعماري.

في الفقه الإسلامي، هناك نوعان من الجهاد: الأول، جهاد الدفع (الدفاعي): وهذا لا يختلف عليه عاقل. إنه الحق الطبيعي، بل الواجب المقدس، لكل إنسان وأمة أن ترد الظلم وتدفع العدوان عن النفس والأرض والعرض والدين. هل يمكن لأحد أن يلوم شعبًا يدافع عن بيوته إذا هوجمت؟

الثاني، جهاد الطلب (التحريري) وهو المفهوم الذي تعرض لأكبر قدر من التشويه المتعمد.

لم يكن الهدف أبدًا، كما يزعم المشوهون، هو إجبار الناس على اعتناق الإسلام بالسيف.

هذا يتناقض صراحةً مع النص القرآني القطعي: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۗ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].

بل كان الهدف هو "فتح الطريق" أمام الدعوة. تخيل أن هناك طريقًا عامًا للمعرفة، وقام نظام طاغية بوضع حواجز عسكرية عليه، يمنع الناس بالقوة من مجرد سماع أي فكرة تخالف فكرته.

"جهاد الطلب" لم يكن لاقتحام بيوت الناس، بل كان لإزالة تلك الحواجز العسكرية (الطغاة وجيوشهم) التي تقف بين الناس وبين حقهم في المعرفة والاختيار الحر.

كانت حربًا ضد القمع الفكري والسياسي، لا حربًا ضد عقائد الناس. والدليل العملي الأكبر على هذا هو ما رأيناه في مصر: بمجرد إزالة حكم الطغاة (البيزنطيين)، لم يُجبر أحد على تغيير دينه. بل مُنح أهل البلاد "عهد الأمان" (أو عقد الذمة)، وضُمنت لهم حرية ممارسة شعائرهم (بعودة البطريرك بنيامين)، ثم تُرك لهم الخيار.

بل لقد ظل النصارى في مصر هم أغلبية السكان خلال القرون الأربعة الأولى بعد الفتح الإسلامي ولم يصبح المسلمون أغلبية سوى في القرن السادس الهجري.

وفتح الأندلس نفسه (711م) يقدم مثالاً آخر. لم يكن الفتح الإسلامي مجرد غزو عسكري، بل جاء استجابة لنداءات استغاثة من بعض القوط الغربيين أنفسهم ومن السكان الأصليين المضطهدين (بمن فيهم اليهود الذين كانوا يعانون الأمرين تحت حكم القوط). لقد كان النظام القوطي يعاني من صراعات داخلية وظلم اجتماعي وديني شديد. فعندما عبر المسلمون بقيادة طارق بن زياد، لم يواجهوا مقاومة شعبية واسعة، بل وجدوا في كثير من الأحيان ترحيبًا أو حيادًا من السكان الذين رأوا فيهم خلاصًا من ظلم حكامهم. وسرعان ما أقام المسلمون نظامًا أكثر عدلاً وتسامحًا، ضمن لليهود والمسيحيين ("المستعربين") حقوقهم وحريتهم الدينية، مما مهد لبدء العصر الذهبي للأندلس الذي ازدهرت فيه العلوم والفنون والتعايش لقرون.

وماذا عن الجزية؟

وهنا قد يعترض البعض على مصطلح "الجزية" نفسه، الذي تعرض لحملات تشويه منظمة جعلته يبدو مرادفًا للإذلال أو الابتزاز، بينما تُقبل اليوم الضرائب الباهظة التي تفرضها الدول الحديثة تحت مسميات مختلفة دون أي اعتراض مماثل!

والحقيقة أن الجزية في التطبيق التاريخي للإسلام، لم تكن سوى "ضريبة دفاع" أو "بدل حماية" تُدفع للدولة المسلمة مقابل إعفاء غير المسلمين (أهل الذمة) من الخدمة العسكرية الإلزامية التي كانت مفروضة على المسلمين، ومقابل تولي الدولة حمايتهم والدفاع عنهم وعن أموالهم وأعراضهم ومعابدهم. والمفاجأة التاريخية أنها كانت غالبًا أخف بكثير من الضرائب التي كانت تفرضها عليهم الإمبراطوريات السابقة (كالبيزنطية والفارسية)، وكانت تُعفى منها فئات واسعة كالنساء والأطفال والشيوخ والرهبان والفقراء والعجزة.

أما القول بأنها غير عادلة لأن غير المسلم يدفعها والمسلم لا يدفعها، فهذا تجاهلٌ للحقيقة الكاملة. فالمسلم، في المقابل، مفروض عليه فريضة الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام، وغالبًا ما تكون قيمتها أعلى بكثير من قيمة الجزية، وتُؤخذ من ماله المدّخر ومن ماشيته وزروعه وعروض تجارته سنويًا لتُصرف على الفقراء والمحتاجين والمصالح العامة. هذا بالإضافة إلى حث الإسلام للمسلمين على إخراج الصدقات التطوعية بشكل مستمر، والتي تساهم أيضًا في دعم المجتمع والتكافل الاجتماعي.

فالأمر ببساطة هو نظام مالي متكامل ومتوازن، يساهم فيه كل فرد في المجتمع بطريقة مختلفة تتناسب مع دوره والتزاماته الدينية والمدنية. المسلم يساهم بالزكاة (الواجبة) والصدقة (المستحبة) وبالدفاع العسكري، وغير المسلم يساهم بالجزية مقابل الحماية والإعفاء من القتال. فأين الظلم أو الإذلال في نظام يضمن الحقوق ويوزع الواجبات بهذا العدل؟

إن تشويه مصطلح "الجزية" هو جزء من حملة أوسع لتشويه عدل الإسلام ورحمته، بينما تُمارس اليوم أشكال من الجباية والضرائب الحديثة التي تُثقل كاهل الناس أضعافًا مضاعفة دون أن توفر لهم نفس القدر من الأمان أو الحقوق التي كانت توفرها دولة الإسلام لأهل الذمة.

الأهم من ذلك هو التطبيق العملي لهذا المبدأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين. لم يُعرف عنهم أنهم أمروا بإهانة أهل الذمة أو تحميلهم فوق طاقتهم عند أخذ الجزية. بل على العكس، كانت وصاياهم تشدد على الرفق بهم وعدم تكليفهم فوق طاقتهم.

الخليفة عمر بن الخطاب عندما رأى يهوديًا كبيرًا في السن يسأل الناس، سأله عن حاله، فلما عرف أنه يدفع الجزية ولا يجد ما يكفيه، لم يكتفِ بإسقاط الجزية عنه، بل أمر له ولأمثاله برزق من بيت مال المسلمين، وقال كلمته الشهيرة: "ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم!". فأي ظلم في هذا الموقف؟

وعمر بن عبد العزيز وجّه ولاته بمنع أي إهانة لأهل الذمة عند أخذ الجزية، وشدد على أخذها بالرفق.

إذًا، "جهاد الطلب" لم يكن "غزوًا" لفرض الدين، بل كان "تحريرًا" للعقول والأرض من الظلم، لتمكين الناس من ممارسة حقهم الإنساني الأصيل في الاختيار بلا قهر أو إكراه.

جزية النهب الغربية وجرائم السطو المقنّع

وهنا تكمن المفارقة المدهشة والأكثر إيلامًا: إن نفس الجهات التي تنتقد وتُشوه مفهوم "جهاد الطلب" الإسلامي، وتصف "الجزية" (التي كانت عقد أمان وحماية واضح مقابل مبلغ زهيد يُعفى منه الضعفاء) بأنها "إذلال" و"ابتزاز"... هي نفسها التي تمارس، وتؤيد، وتسكت عن أبشع أشكال "جباية النهب" وجرائم "السطو المقنّع" في العصر الحديث تحت مسميات براقة مثل "نشر الديمقراطية" أو "المساعدات العسكرية" أو "الاستثمار"!

لقد رأينا كيف خاضت دول غربية (وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول أوروبا "المتحضرة") حروبًا واحتلالات (في العراق وأفغانستان والصومال ومالي، وغيرها في أنحاء العالم)، ليس لإزالة حاجز أمام دعوة سلمية، بل لفرض أنظمة موالية بالقوة، وللسيطرة المطلقة على الثروات والمواقع الاستراتيجية.

ولننظر إلى ليبيا (2011) كمثال مأساوي. تحت شعار "حماية المدنيين" و"نشر الديمقراطية"، تدخل حلف الناتو عسكريًا، متجاوزًا تفويضه الأممي، فدمّر البنية التحتية للدولة، وأسقط النظام بالقوة، ثم ترك البلاد تغرق في فوضى عارمة وحرب أهلية لا تزال مستعرة حتى اليوم. والنتيجة؟ لم تكن "ديمقراطية" مزعومة، بل كانت دولة فاشلة، ونهبًا منظمًا لثرواتها النفطية الهائلة، وتحولها إلى بؤرة لعدم الاستقرار وتهريب السلاح والبشر في المنطقة بأكملها. أهذا هو "التحرير" الذي يعدون به؟ أم هو تدمير ممنهج للدول وتفكيك للمجتمعات لضمان استمرار الهيمنة والنهب؟

وهنا يتجلى النفاق في أوضح صوره: هم ينتقدون "جزية" الإسلام التي كانت تضمن الأمن والحقوق مقابل عقد واضح ومبلغ بسيط... بينما يفرضون هم "جزية النهب والسطو" التي لا تُبقي ولا تذر، وبدون أي عقد أو ضمان حقيقي!

يسرقون ثروات الشعوب بشكل مباشر (النفط، الغاز، اليورانيوم، الذهب، الماس...).

يفرضون "إتاوات حماية" مهينة: انظر إلى ما تفعله أمريكا اليوم مع دول مثل أوكرانيا، حيث تطالبها فعليًا بتسليم أصولها وثرواتها المستقبلية مقابل "دعم عسكري" غير مضمون النتائج، أشبه بـ "جزية" تُدفع للمهيمن (أو: للحليف الأكبر) دون أي عهد حقيقي بالحماية!

يمارسون السطو الاقتصادي: انظر إلى الضغوط الهائلة التي تمارسها أمريكا على دول الخليج الغنية (مثل قطر والإمارات والسعودية) لإجبارها على ضخ تريليونات الدولارات كـ "استثمارات" في الاقتصاد الأمريكي المترنح. هذه ليست "استثمارات" طوعية بقدر ما هي عملية نهب وسطو واضحة لأموال شعوب أخرى تحت التهديد السياسي والعسكري المبطن!

يستعبدونهم اقتصاديًا عبر الديون الربوية وشروط صندوق النقد والبنك الدولي المجحفة، التي تضمن بقاءهم تابعين للأبد.

ولنأخذ مثال "القروض الميسرة" أو "برامج التكيف الهيكلي" التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (وهما مؤسستان تهيمن عليهما القوى الغربية) على الدول النامية المتعثرة. في الظاهر، هي "مساعدة" للخروج من الأزمة، لكن شروطها المجحفة غالبًا ما تتضمن: خصخصة القطاعات العامة الرابحة (لتشتريها الشركات الغربية بأبخس الأثمان!)، رفع الدعم عن السلع الأساسية (مما يفقر الشعوب)، فتح الأسواق على مصراعيها للمنتجات الغربية (مما يدمر الصناعات المحلية)، وإعطاء الأولوية لسداد الديون الربوية على حساب الإنفاق على الصحة والتعليم. والنتيجة؟ إغراق هذه الدول في حلقة مفرغة من الديون والتبعية، ونهب منظم لثرواتها تحت غطاء "الإصلاح الاقتصادي". أي "جزية" أبشع من هذه التي تستعبد الأجيال القادمة وتسرق مستقبل الأوطان بأكملها باسم "المساعدة الدولية"؟

يتركونهم عمدًا في فقر وجهل ومرض، ليظلوا أسواقًا لمنتجاتهم ومصادر رخيصة لمواردهم.

هذه هي "الجزية الغربية" الحقيقية! جزية تُجبى بدماء الشعوب ودمار أوطانهم وثروات أجيالهم، جزية مستمرة لم تنتهِ فعليًا إلى الآن، تتخذ اليوم أشكالاً "ناعمة" كالمعاهدات الجائرة والهيمنة الثقافية والاقتصادية، بعد أن كانت تُجبى بالدبابات والمدافع.

وماذا كانت النتيجة الفعلية لهذا "الغزو الحديث" وجرائم السطو التي يمارسونها؟

لم تكن تحريرًا للشعوب، بل كانت دمارًا للدول وتفكيكًا لهويتها.

لم تكن ضمانًا للحقوق، بل كانت نهبًا للثروات وسرقة ممنهجة لمقدرات الأجيال.

لم تكن "فتحًا" يجلب الأمان والتعايش، بل كانت "غزوًا" يغرق المجتمعات في فوضى وحروب أهلية لا تنتهي.

شتان والله بين "تحرير" يهدف لرفع الظلم ويضمن حقوق الجميع مقابل عقد واضح ومبلغ زهيد (كما حدث في مصر والقدس)، وبين "غزو" يُشنّ تحت شعارات زائفة، ليُدمّر الأوطان ويَنهب الثروات ويمارس السطو المقنع ويُخلّف وراءه الفوضى والتبعية الدائمة. إنها مقارنة تكشف حجم النفاق والتناقض في المعايير التي يُحاكم بها الإسلام اليوم.

البرهان القاطع: لماذا أسلمت مصر إذن؟

ولكن، قد يسأل سائل بذكاء: إذا كان الإسلام قد ضمن حرية الدين للأقباط، ولم يُجبر أحدًا، فلماذا أصبحت مصر اليوم ذات أغلبية مسلمة؟

هذا سؤال مهم، وإجابته هي البرهان القاطع على صدق مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

التحول إلى الإسلام في مصر لم يحدث بقرار سياسي أو بضغط عسكري بعد الفتح. بل كان عملية تاريخية طويلة، وتدريجية، واختيارية تمامًا، استمرت لعدة قرون.

نعم، لقد ظلت مصر ذات أغلبية مسيحية لقرون طويلة بعد الفتح الإسلامي!

إذًا، ما الذي دفع الناس تدريجيًا إلى اختيار الإسلام؟ لقد رأى الكثير من المصريين في الإسلام جاذبية العدل والبساطة، خاصة عند مقارنته بالظلم الطبقي والخلافات اللاهوتية المعقدة التي عانوا منها تحت الحكم البيزنطي.

لقد رأوا السلوك العملي للمسلمين الفاتحين والحكام الأوائل، وتطبيقهم لمبادئ العدل والرحمة، فكان هذا "نموذجًا" حيًا جذبهم للتعرف على هذا الدين. ومع مرور القرون، حدث تفاعل حضاري طبيعي، من تزاوج ومصاهرة، وانخراط طوعي في ثقافة الدولة، وجهود سلمية للدعاة والعلماء، مما أقنع الكثيرين بمرور الزمن.

إذًا، لم يكن التحول نتيجة "سيف" الفاتحين، بل نتيجة قرون من التعايش، والتفاعل، والاختيار الفردي الحر.

وهذا بحد ذاته دليل مدهش آخر على أن هدف الفتح لم يكن "أسلمة" الناس بالقوة، بل "تحريرهم" ومنحهم الأمان والعدل، ثم ترك الخيار لقلوبهم وعقولهم على مر الأجيال. شتان بين هذا النموذج "التحريري"، وبين نماذج "الاستعمار" الذي يمحو الهوية ويفرض ثقافة المنتصر بالقوة.

5. هل تعلم أن هناك ملايين أسلموا بلا معركة واحدة؟

ربما تكون هذه واحدة من أكبر المفاجآت التي ستسمعها عن الإسلام، حقيقة تاريخية وجغرافية دامغة تنسف الكثير من الاتهامات. هل تعلم أن أكبر دولة إسلامية في العالم اليوم من حيث عدد السكان، وهي إندونيسيا (بأكثر من 230 مليون مسلم)، لم تطأها قدم جيش مسلم فاتح قط؟

نعم، قرأت ذلك صحيحًا. صفر جيوش. صفر معارك. صفر فتوحات عسكرية.

ليس هذا فحسب، بل إندونيسيا، ومعها جارتها ماليزيا، وبروناي، وأجزاء كبيرة من الفلبين... كل هذه المنطقة الشاسعة التي تُعرف بـ "أرخبيل الملايو" وتضم مئات الملايين من المسلمين، وصلها الإسلام وانتشر فيها دون سيف واحد قادم من خارج المنطقة لنشر الدين.

جيوش من نوع آخر: التجار والدعاة

كيف حدث ذلك إذن؟ كيف تحولت شعوب بأكملها، كانت تدين بالهندوسية والبوذية ومعتقدات محلية وثنية، إلى الإسلام بهذه الأعداد الهائلة دون غزو عسكري واحد؟

الجواب يكمن في قوة أخرى... قوة أكثر تأثيرًا وديمومة من السيف: قوة النموذج، وقوة الأخلاق.

لقد وصل الإسلام إلى شواطئ جنوب شرق آسيا ليس على ظهور الخيل الحربية، بل على متن سفن التجار المسلمين. تجارٌ قدموا من حضرموت (في اليمن)، ومن سواحل الهند (خاصة غوجارات)، ومن بلاد فارس. جاءوا لا يحملون سيوفًا، بل يحملون بضائعهم: بهارات، وعطور، وأقمشة... ودينهم في قلوبهم وسلوكهم.

ما الذي أدهش السكان المحليين في هؤلاء التجار القادمين؟ لم يكن سلاحهم، بل أمانتهم المطلقة في البيع والشراء. صدقهم العجيب في الحديث والوعد. عدلهم الدقيق في الميزان والمكيال. حسن معاملتهم للجميع، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم. لقد رأوا فيهم نموذجًا حيًا لأخلاق لم يعهدوها بهذا السمو والرقي.

هؤلاء التجار لم يأتوا كدعاة متفرغين بالضرورة، لكن سلوكهم اليومي كان هو الدعوة الأبلغ. لقد طبقوا المبدأ النبوي البسيط والعميق: "الدين المعاملة". فأسرت أخلاقهم قلوب الناس قبل أن تخاطب كلماتهم عقولهم.

ومع مرور الوقت، بدأ هؤلاء التجار يستقرون في المدن الساحلية، وتصاهروا مع السكان المحليين، وشكلوا مجتمعات مسلمة صغيرة. ثم جاء دور الدعاة والعلماء، الذين تعمقوا في فهم الثقافات المحلية وقدموا الإسلام بطريقة حكيمة وجذابة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا عن قناعة واختيار.

خريطة انتشار الأخلاق

وهذه القصة المدهشة لم تحدث في جنوب شرق آسيا فقط، بل كانت النمط السائد في انتشار الإسلام في قارات بأكملها:

شرق إفريقيا (الساحل السواحيلي): على طول الساحل من الصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق (بما في ذلك زنجبار وممباسا)، انتشر الإسلام عبر شبكات التجارة البحرية في المحيط الهندي. التجار العرب (خاصة من عُمان واليمن) والفرس هم من حملوا الإسلام. وتمازجت الثقافات لتولد "الحضارة السواحيلية" الفريدة، التي أصبحت اللغة العربية والدين الإسلامي جزءًا أساسيًا منها، دون جيش واحد.

غرب إفريقيا (ما وراء الصحراء): انتقل الإسلام عبر المسالك القاحلة للصحراء الكبرى، ليس مع جيوش، بل مع تجار القوافل (خاصة البربر والطوارق). ازدهرت ممالك إسلامية عظيمة مثل غانا ومالي وسونغاي، وأصبحت مدن مثل تمبكتو مراكز عالمية للعلم والفقه الإسلامي، وكل ذلك بدأ بشكل سلمي تمامًا عبر التأثير التجاري والثقافي.

آسيا الوسطى والصين: لعب طريق الحرير الأسطوري دورًا حيويًا في نقل الإسلام شرقًا. التجار والدعاة والعلماء هم من حملوا الرسالة، حيث تأسست مجتمعات مسلمة مزدهرة في قلب آسيا وفي الصين نفسها دون فتوحات عسكرية لنشر الدين.

النتيجة: قوة "النموذج" مقابل "القوة الناعمة"

إذًا، ما الذي تثبته هذه الحقائق التاريخية المدهشة؟ إنها تثبت بالدليل القاطع أن "السيف" لم يكن أبدًا هو الأداة لنشر العقيدة الإسلامية بين الشعوب. نعم، استُخدم السيف للدفاع عن الأمة عند العدوان (جهاد الدفع). واستُخدم لتحرير الطريق أمام الدعوة حين أُغلق بالقوة (جهاد الطلب كما رأينا في مصر).

أما العقيدة نفسها، فلم تدخل قلوب مئات الملايين إلا بقوة الإقناع الذاتي، وبجاذبية النموذج الأخلاقي السامي الذي قدمه المسلمون الأوائل للعالم. لقد رأى الناس في الإسلام عدلاً ورحمة وأمانة لم يجدوها في مكان آخر، ففتحوا له قلوبهم طواعية.

وهنا تبرز مقارنة صارخة مع أساليب "نشر النفوذ" الحديثة: في عصرنا، نرى القوى الكبرى تحاول نشر أيديولوجياتها (كالديمقراطية الليبرالية) أو توسيع نفوذها عبر ما يسمى بـ "القوة الناعمة" (Soft Power). لكن هذه القوة غالبًا ما تكون:

مشروطة: مساعدات اقتصادية مقابل تغييرات سياسية.

قسرية ثقافيًا: غزو ثقافي عبر الإعلام والترفيه يهدف لمحو الهويات المحلية (Cultural Imperialism).

عسكرية مُقنّعة: تدخلات عسكرية تُشن تحت شعارات "إنسانية" أو "ديمقراطية"، لكنها تترك وراءها دمارًا وفوضى (كما رأينا في العراق وأفغانستان).

قارن هذه الأساليب - التي غالبًا ما تُقابل بالرفض أو تنتج تغييرات سطحية وهشة - بقوة النموذج الإسلامي الأول: لم يقدم التجار المسلمون رشاوى للحكام ليسلموا.

لم يرسلوا مساعدات مشروطة بتغيير الدين. لم يفرضوا لغتهم، بل انصهروا بسلام مع الثقافات المحلية وهذبوها.

لقد قدموا شيئًا واحدًا: نموذجًا أخلاقيًا حيًا للإسلام. رأى الناس بأعينهم كيف يعيش المسلم، كيف يتعامل، كيف يبيع ويشتري، كيف يفي بوعده... فاختاروا هذا الدين عن قناعة قلبية حقيقية.

والنتيجة؟ إسلامٌ تجذّر في قلوب الملايين وأصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتهم لقرون طويلة، لا مجرد قشرة خارجية تزول بزوال المؤثر. إنها شهادة عملية على أن قوة الأخلاق الصادقة أبلغ وأدوم أثرًا من كل أساليب القوة والغلبة التي عرفها التاريخ، قديمه وحديثه.

وهذه الحقيقة (انتشار الإسلام بالأخلاق لا بالسيف) لم تكن غائبة حتى عن الباحثين الغربيين المنصفين. فبالإضافة إلى تأكيدهم على مبدأ ﴿لا إكراه في الدين﴾ ، يقدم المؤرخ الفرنسي هنري دي كاستري حجة منطقية دامغة على ذلك: "ولو كان دين محمد انتشر بالعنف والإجبار، للزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين، مع أننا لا نزال نرى القرآن يبسط جناحه في جميع أرجاء المسكونة".

حجة عقلية بسيطة وقوية: لو كان الانتشار مرتبطًا بالقوة العسكرية فقط، لتوقف بانتهاء تلك القوة. استمرار انتشار الإسلام حتى اليوم هو دليل على أن جاذبيته الحقيقية تكمن في قوته الذاتية، لا في قوة السيف.

6. "الفتح" لا "الغزو": تفكيك المفهوم الذي أسيء فهمه عمدًا.

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية ومحورية، السؤال الذي يُطرح دائمًا في وجه أي نقاش: أليست "الفتوحات الإسلامية" في جوهرها حروبًا "هجومية"؟ أليس ما يسمى بـ "جهاد الطلب" هو في الحقيقة "غزو" أو "تدخل" لفرض الدين بالقوة؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نرتكب "خيانة معرفية" أولاً: علينا أن نتوقف فورًا عن استخدام المصطلحات الغربية الحديثة (مثل "حرب هجومية" أو "احتلال") لوصف فعل إسلامي له فلسفته الخاصة تمامًا.

إن إسقاط مصطلحات وُلدت من رحم الفكر الاستعماري الأوروبي (Colonialism) على نموذج "الفتح" الإسلامي، هو الخطأ المنهجي الأول الذي يؤدي حتمًا إلى سوء الفهم.

مع ضرورة التنويه بأن اللفظ العربي المستخدم في السيرة والأحاديث النبوية وكتب التاريخ الإسلامي مثل "غزا , يغزو , غزاة وغزوات" لا يتضمن المعاني التي تتبادر إلى الذهن من مفاهيم كلمة الغزو في المفهوم الحديث.

ولذا دعنا نفكك المفهومين، ونرى لماذا لا يلتقيان أبدًا.

القاعدة الحاكمة: "الرحمة" و "الاختيار"

قبل أن نخوض في أي تفصيل عسكري، يجب أن نضع القاعدتين الذهبيتين اللتين تحكمان كل شيء في الإسلام:

القاعدة الأولى (الغاية) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: 107]
القاعدة الثانية (الوسيلة) ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۗ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. [البقرة: 256]
وهنا الحجة العقلية الأولى كيف يمكن لرسالة غايتها "الرحمة للعالمين" أن تستخدم وسيلة "الإكراه" الذي هو نقيض الرحمة؟ وكيف يمكن لـ "الرشد" أن يُفرض بالقوة، بينما هو لا يكون رشدًا إلا إذا جاء بالاختيار الواعي؟

إذًا، من المستحيل منطقيًا أن يكون الهدف من أي تحرك عسكري إسلامي هو "إجبار الناس على الدين". هذا يُبطل المبدأين (الرحمة والاختيار) من جذورهما. إذًا، ما هو الهدف؟

الفرق الجوهري: "الفتح" (Liberation) ضد "الغزو" (Invasion)

هنا يجب أن نميز بين فلسفتين متناقضتين تمامًا:

1. فلسفة "الغزو / الاحتلال" (Invasion/Colonialism):

ما هو هدفها؟ الأخذ (Take).

ماذا تأخذ؟ الموارد (الذهب، النفط، الأرض)، النفوذ السياسي، والأسواق.

كيف تنظر للشعوب؟ كـ "مُستَعمَرين" (Subjects) يجب إخضاعهم أو استغلالهم.

النتيجة؟ استبدال نخبة حاكمة بنخبة أجنبية مستغِلة (كما فعلت إسبانيا في أمريكا الجنوبية، وبريطانيا في الهند).

2. فلسفة "الفتح" الإسلامي (Liberation/Opening):

ما هو هدفها؟ العطاء (Give).

ماذا تعطي؟ رسالة جديدة، وحق الاختيار الحر، ونظامًا عادلاً.

كيف تنظر للشعوب؟ كـ "مُحرَّرين" (Beneficiaries) يجب رفع الظلم عنهم.

النتيجة؟ إزالة "النظام" الطاغية الذي يقف حاجزًا بين الناس وبين حريتهم، مع منح الناس الأمان الكامل.

"الفتح" هو المصطلح القرآني الدقيق ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. "الفتح" لا يعني "الاحتلال"، بل يعني "إزالة الأقفال" و "فتح الأبواب المغلقة" بالقوة. كانت الأنظمة (البيزنطية والفارسية) تقيم "جدرانًا" عازلة تمنع شعوبها بالقوة من مجرد سماع أي رسالة أخرى. فكان "الفتح" يهدف لهدم الجدار، لا لاقتحام البيت.

بروتوكول التحرير (الخيارات الثلاثة)

هذا الفرق الفلسفي ليس نظريًا، بل له تطبيق عملي مدهش. لو كان الهدف هو "الغزو" (كالنموذج الغربي)، لكان البروتوكول هو: "الصدمة والترويع" (Shock and Awe) أولاً، ثم القتل، ثم فرض الأمر الواقع.

لكن "بروتوكول الفتح" الإسلامي كان النقيض تمامًا. إنه لا يُوجَّه للشعوب، بل يُوجَّه للنظام الحاكم (الحاجز):

1. الخيار الأول (الاندماج): "الإسلام". المعنى: "انضموا إلينا في هذا النظام الجديد القائم على العدل والمساواة، وتصبحون إخوة لنا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا". تُحقن الدماء فورًا.

2. الخيار الثاني (التعايش أو "الحياد الإيجابي"): "العهد والجزية". وهذا هو الخيار الذي ينسف الشبهة من جذورها. المعنى: "لا تريدون الإسلام؟ لكم ذلك ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. لكن تنحوا جانبًا. ارفعوا أيديكم عن رقاب الناس. سنقوم نحن بحماية هذا الشعب (بما فيهم أنتم) وضمان حريتكم الدينية الكاملة، مقابل ضريبة دفاع رمزية (الجزية) لأننا أصبحنا المسؤولين عن حمايتكم".

هنا تسقط الأكاذيب: أي "غازٍ" هدفه فرض الدين، يعرض على الناس خيار "البقاء على دينهم بأمان"؟ هذا تناقض مطلق!

لو كان الهدف هو فرض الدين بالقوة، لكان من الأسهل والأسرع عسكريًا إما إبادة المخالفين (كما فعل الإسبان) أو إجبارهم تحت تهديد السيف المباشر. أما عرض خيار 'التعايش بالعهد والجزية' فهو خيار مُكلف للدولة المسلمة (لأنها تصبح مسؤولة عن حمايتهم) ولا يخدم هدف 'الأسلمة القسرية' المزعوم. إذن، وجود هذا الخيار بحد ذاته ينفي تهمة الإكراه.

3. الخيار الثالث (إزالة الحاجز بالقوة): "الحرب". المعنى: "إذا رفضتم الاندماج، ورفضتم التعايش السلمي، وأصررتم على الوقوف كحاجز مسلح تمنعون الناس من حرية الاختيار... عندها فقط، سنضطر لإزاحتكم (أنتم كنظام) بالقوة".

النتيجة المنطقية في كل الحالات، الشعوب رابحة. إما رابحون بالعدل كمسلمين، أو رابحون بالأمان وحرية الدين كأهل ذمة. الخاسر الوحيد هو "النظام القمعي".

قبح النموذج الآخر: الغزو من أجل الذهب، الأرض، والنفط

الآن، دعنا ننظر بوضوح إلى نقيض هذا النموذج تمامًا، لنرى الغرب بلا أقنعة:

النموذج الأول: الغزو من أجل "الذهب" (الاستعمار الإسباني):

الشعار: نشر المسيحية.

الحقيقة: البحث عن "الذهب".

البروتوكول لم يكن هناك "خيارات ثلاثة". كان "هيرنان كورتيز" يدخل المدن، يذبح الآلاف، ينهب الذهب، ويهدم المعابد ليبني فوقها كنائس. لقد فرض الدين بالقوة، وأباد ثقافات بأكملها (الأزتيك والإنكا). هذا هو "الإكراه في الدين" بعينه.
النموذج الثاني الغزو من أجل "الاستغلال" (الاستعمار البريطاني):

الشعار: "جلب الحضارة" (The White Man's Burden).

الحقيقة: الاستغلال الاقتصادي البشع (شركة الهند الشرقية).

البروتوكول "فرّق تسد". إثارة النعرات بين الهندوس والمسلمين، ونهب الثروات، والتسبب في مجاعات (مثل مجاعة البنغال) أودت بحياة الملايين. لم يكن "فتحًا"، بل كان "مصًّا" لدماء البلاد.

ولم تكن مجاعة البنغال (1770م ثم 1943م) مجرد كارثة طبيعية، بل كانت إلى حد كبير نتيجة مباشرة لسياسات شركة الهند الشرقية البريطانية ثم الإدارة البريطانية، التي استمرت في تصدير الحبوب من الهند وفرض ضرائب باهظة حتى والملايين يموتون جوعًا! بل إن ونستون تشرشل نفسه، الذي يُحتفى به كـ"بطل العالم الحر"، عبّر عن ازدراء عنصري تجاه الهنود أثناء مجاعة 1943 قائلاً (كما تنقل الوثائق): "أكره الهنود. إنهم شعب وحشي بدين بغيض. المجاعة هي خطؤهم لأنهم يتكاثرون كالأرانب"! وعندما قمع البريطانيون "ثورة الهند الكبرى" (1857م)، لم يكتفوا بقتل الثوار، بل قاموا بعمليات إعدام جماعية وحشية شملت ربط بعض الأسرى بفوهات المدافع وتفجيرهم كرسالة رعب! أهذه هي "الحضارة" التي زعموا أنهم جاءوا لنشرها؟

النموذج الفرنسي (الاستغلال والقمع الدموي): ولم يكن الاستعمار الفرنسي أقل وحشية. ففي الجزائر، التي احتلتها فرنسا لأكثر من 130 عامًا (1830-1962م)، لم تكتفِ بنهب ثروات البلاد وفرض لغتها وثقافتها بالقوة، بل مارست سياسات قمع دموي مروعة ضد أي مقاومة. يُقدر أن حرب التحرير الجزائرية وحدها (1954-1962م) أودت بحياة أكثر من مليون شهيد جزائري! وشهدت هذه الحرب استخدامًا ممنهجًا للتعذيب والاغتصاب والمجازر الجماعية بحق المدنيين (مثل مجازر سطيف وقالمة وخراطة عام 1945م). لقد ترك الاستعمار الفرنسي جروحًا غائرة في ذاكرة وهوية الشعب الجزائري، تكشف عن وجه آخر قبيح للاستغلال الاستعماري الذي يدّعي التحضير.

النموذج البلجيكي (الإبادة من أجل المطاط): وربما لا يوجد مثال أبشع على جشع الاستعمار الأوروبي ووحشيته المطلقة مما حدث في "دولة الكونغو الحرة" (1885-1908م)، التي لم تكن مستعمرة بلجيكية رسمية، بل كانت "ملكية خاصة" للملك ليوبولد الثاني! تحت ستار "نشر الحضارة" و"محاربة تجارة الرقيق"، أقام ليوبولد نظام استغلال مرعب لجمع المطاط والعاج. تم إجبار السكان المحليين على العمل بالسخرة، ومن لم يحقق "الحصة" المطلوبة منه كان يتعرض لعقوبات وحشية تشمل القتل والجلد وبتر الأيدي والأقدام! لقد انتشرت صور مروعة لأطفال وشيوخ مبتوري الأيدي كدليل على هذه الوحشية. تشير التقديرات إلى أن عدد سكان الكونغو انخفض بمقدار يصل إلى 10 ملايين نسمة خلال فترة حكم ليوبولد بسبب القتل المباشر والمجاعة والأمراض الناتجة عن هذا النظام الوحشي! لقد كانت إبادة جماعية صامتة، ليس من أجل الدين أو الأرض، بل فقط من أجل "الربح" الشخصي لملك أوروبي "متحضر".

النموذج الثالث (الأبشع) الغزو من أجل "الأرض" (الاستعمار الاستيطاني): وهنا نصل إلى المثال الذي طلبته، وهو يكشف عن فلسفة الإبادة والاستبدال.
الشعار "القدر الواضح" (Manifest Destiny) أو "الأرض لمن يعمرها".

الحقيقة: الاستيلاء على الأرض، واستبدال السكان الأصليين.

المكان: الولايات المتحدة، كندا، أستراليا.

هنا، لم يكن الهدف "إخضاع" السكان الأصليين، بل كان "إزالتهم" لأنهم كانوا يُعتبرون "عائقًا" أمام التوسع.

في أمريكا: تم ارتكاب جرائم تطهير عرقي ممنهجة. نُقضت كل معاهدة (أكثر من 500 معاهدة) وُقعت مع القبائل. تم تهجيرهم قسرًا في "مسيرة الدموع" (Trail of Tears) ومطاردتهم كـ "وحوش" (Bison and Indian were hunted alike).

ولم تكن "مسيرة الدموع" مجرد تهجير، بل كانت رحلة موت بطيء تحت ظروف لا إنسانية، قُتل فيها الآلاف من البرد والجوع والمرض. ولم يتوقف الأمر عند التهجير، بل امتد إلى سياسات متعمدة لتدمير أسس حياة السكان الأصليين، مثل الإبادة شبه الكاملة لقطعان "البيسون" (الجاموس الأمريكي) التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لغذائهم وحياتهم، بهدف تجويعهم وإجبارهم على الاستسلام أو الموت. لقد كانت حرب إبادة شاملة، ليس فقط ضد البشر، بل ضد بيئتهم ومصدر رزقهم.

في كندا: تم إنشاء "المدارس السكنية" (Residential Schools)، وهي جريمة "إبادة ثقافية" ممنهجة، كان هدفها المعلن هو "اقتلوا الهندي في الطفل" (Kill the Indian in the child)، حيث انتُزع أطفال السكان الأصليين من عائلاتهم بالقوة لـ "تمدينهم".

تخيل الرعب في عيون طفل يُنتزع من حضن أمه، ويُلقى به في مكان غريب تُحظر فيه لغته، وتُمتهن ثقافته، ويتعرض فيه لأقسى أنواع الإيذاء الجسدي والنفسي، بل والجنسي أحيانًا، وكل ذلك باسم "التعليم" و"الحضارة"! لقد كانت جريمة ممنهجة لقتل الروح قبل الجسد، تركت جروحًا لا تندمل في ذاكرة أمة بأكملها.

في أستراليا: تم التعامل مع السكان الأصليين (Aborigines) لعقود طويلة على أنهم جزء من "الحيوانات" (Fauna) وليسوا بشرًا! وتمت سرقة أطفالهم فيما يُعرف بـ "الأجيال المسروقة" (Stolen Generations).

هذا هو النموذج الغربي في ذروة وحشيته: الإبادة العرقية والثقافية الكاملة من أجل الأرض.

النموذج الرابع: الغزو من أجل "النفط" (الاستعمار الحديث):

الشعار: "الديمقراطية" (العراق 2003).

الحقيقة: النفط والنفوذ الجيوسياسي.

البروتوكول "الصدمة والترويع" (قصف المدنيين أولاً)، تدمير الدولة، وتركها في فوضى عارمة بعد تأمين المصالح.

وليست العراق هي الحالة الوحيدة. انظر إلى تاريخ التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة وما بعدها. كم من حكومة منتخبة ديمقراطيًا (لكنها لا تخدم المصالح الأمريكية) تم إسقاطها بانقلابات عسكرية مدعومة من وكالة المخابرات المركزية (CIA)، ليتم تنصيب ديكتاتوريات وحشية موالية لواشنطن؟ (مثل ما حدث في تشيلي ضد سلفادور أليندي عام 1973، أو في غواتيمالا ضد جاكوبو أربينز عام 1954، وغيرها الكثير). لم يكن الهدف "نشر الديمقراطية"، بل كان ضمان استمرار هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى (مثل شركة يونايتد فروت في غواتيمالا) والسيطرة السياسية والاقتصادية على "الفناء الخلفي" لأمريكا. والنتيجة دائمًا: عقود من القمع والظلم والحروب الأهلية والفقر المدقع لشعوب تلك البلدان. أهذا هو نموذج "تحرير الشعوب" الذي يريدون تصديره للعالم؟

سادسًا: شهادة التاريخ (النتائج تتحدث عن نفسها)

أعظم دليل على صدق النوايا هو النتائج الملموسة على الأرض. وهنا تأتي الحقيقة الساطعة:

لو كان "الفتح" الإسلامي يحمل نفس فلسفة "الغزو" الاستعماري الأوروبي (سواء الإسباني، البريطاني، أو الاستيطاني)، لكانت النتائج متشابهة حتمًا.

لو كان الهدف هو "الإكراه الديني" (كالغزو الإسباني للمكسيك)، لكان أول ما فعله الفاتحون هو هدم دور العبادة وقتل رجال الدين وفرض محاكم التفتيش.

لو كان الهدف هو "الإبادة والاستبدال" (كالغزو الاستيطاني لأمريكا وأستراليا)، لكان مصير أهل البلاد الأصليين هو القتل والمطاردة والتطهير العرقي.

لو كان الهدف هو "الاستغلال والنهب" (كالاستعمار البريطاني للهند)، لكانت النتيجة هي إفقار البلاد وتدمير صناعاتها المحلية وإثارة الفتن الداخلية.

لكن، ماذا حدث فعلاً في البلاد التي فُتحت؟

1. مصر: من الاضطهاد إلى مركز حضاري

لنعد إلى مصر كمثال صارخ:

عودة الأمان الديني: لم يقتصر الأمر على عودة البطريرك بنيامين من منفاه. بل تم إلغاء كل القوانين البيزنطية التي كانت تضطهد الأقباط، وسُمح لهم باستعادة كنائسهم وأديرتهم التي دُمرت، وأصبح لهم قضاؤهم الخاص في مسائل الأحوال الشخصية. لقد تنفس النصارى الصعداء بعد قرون من القهر تحت حكم "إخوتهم" في الدين سابقًا!

ازدهار اللغة القبطية: المدهش أنه في القرون الأولى للحكم الإسلامي، ازدهرت اللغة القبطية كلغة أدب وعلم ودين، ولم تُفرض اللغة العربية فرضًا (كما فعل المستعمرون الأوروبيون بلغاتهم لاحقًا). التحول إلى العربية كان تدريجيًا وطوعيًا على مدى قرون طويلة نتيجة للتفاعل الحضاري.

المشاركة في بناء الدولة لم يُعزل النصارى كمواطنين درجة ثانية. بل شاركوا بفعالية في إدارة الدولة، خاصة في الشؤون المالية والإدارية، وبرز منهم أطباء وعلماء وفلاسفة كبار خدموا المجتمع بأسره.

هل هذه هي نتائج "غزو" يهدف للإبادة أو الإكراه؟ أم هي نتائج "تحرير" يهدف للتعايش والعدل؟

2. الأندلس: عصر ذهبي للتعايش (قبل السقوط)

عندما نتحدث عن التعايش، تبرز الأندلس كنموذج أسطوري (على الأقل في عصورها الذهبية).

ازدهار غير مسبوق لليهود: بعد أن كان اليهود مضطهدين بشدة تحت حكم القوط الغربيين (Visigoths) قبل الإسلام، وجدوا في ظل الحكم الإسلامي في قرطبة وغرناطة عصرهم الذهبي بكل المقاييس. برز منهم وزراء (مثل حسداي بن شبروط)، وأطباء، وفلاسفة عالميون (مثل موسى بن ميمون)، وشعراء كبار (مثل يهوذا اللاوي). لقد كتبوا أعظم أعمالهم بالعربية أو بالعبرية في بيئة آمنة ومزدهرة.

تفاعل حضاري فريد: لم تكن مجرد "سماح" بالوجود، بل كان تفاعلًا حضاريًا حقيقيًا. المسيحيون ("المستعربون") تعلموا العربية وشاركوا في الحياة الثقافية. المسلمون ترجموا علوم اليونان والرومان وحفظوها وطوروها. لقد كانت الأندلس بوتقة انصهرت فيها الحضارات وأضاءت لأوروبا المظلمة طريق النهضة.

قارن هذا بمصير المسلمين واليهود بعد سقوط الأندلس: محاكم التفتيش، الإجبار على التنصير، الطرد الجماعي. هنا يتضح الفرق بين حضارة تحتضن التنوع، وحضارة ترفضه وتقمعه.

ولم يكن هذا التعايش مجرد سياسة واقعية، بل هو تطبيق لمبدأ التسامح الذي لاحظه حتى كبار المؤرخين الغربيين، مثل عالم الاجتماع الفرنسي الشهير غوستاف لوبون الذي يقر بالسبق الأخلاقي للإسلام في معاملة أهل الكتاب قائلاً: "رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا المرتابون أو المؤمنون القليلون الذين أنعموا النظر في تاريخ العرب".

إقرار صريح من مؤرخ غربي بارز بتميز الإسلام في باب التسامح الديني العملي وسبقه للأديان الأخرى في هذا المجال، ونفي لتهمة التعصب التي كثيرًا ما تُلصق به.

وتصف المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" الروح التي سادت هناك تحت الحكم الإسلامي بقولها (ما معناه):

"لقد سادت في إسبانيا المسلمة روح من التسامح النبيل لم تعرفها أوروبا المسيحية في ذلك العصر. فبينما كان التعصب الأعمى يحكم في أماكن أخرى، ازدهرت في قرطبة وغرناطة حضارة جمعت المسلمين والمسيحيين واليهود، وسمحت للعلوم والفنون والفلسفة بأن تبلغ أوجها بفضل هذا التفاعل الفريد."

شهادة تسلط الضوء على الأندلس كنموذج تاريخي للتعايش والازدهار الحضاري تحت الحكم الإسلامي، في تناقض صارخ مع واقع أوروبا في العصور الوسطى.

7. آية واحدة سبقت "جنيف" كلها! السرّ في: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾.

تخيّل معي لو قلت لك أن جوهر القانون الدولي الإنساني الحديث، تلك القواعد المعقدة التي ملأت آلاف الصفحات في "اتفاقيات جنيف" وغيرها، والتي احتاجت البشرية لحربين عالميتين وملايين القتلى لتتوصل إليها في منتصف القرن العشرين... أن كل هذا الجوهر تقريبًا، يمكن اختصاره في آية قرآنية واحدة نزلت قبلها بأكثر من 1400 عام؟

قد يبدو هذا ادعاءً ضخمًا، أليس كذلك؟ لكن استعد لتُدهش.

في سورة البقرة، نجد تلك الآية المحورية التي تعتبر بحق بمثابة "الدستور الأخلاقي" للحرب في الإسلام. تقول الآية الكريمة:

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: 190]

دعنا نفكك هذه الآية، جزءًا جزءًا، لنكتشف السر المدهش فيها.

1. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: البوصلة الأخلاقية

كما رأينا سابقًا، هذه الكلمات الثلاث تحدد النية والغاية. إنها البوصلة التي توجه المقاتل نحو الهدف الأسمى (إعلاء كلمة الله بالعدل والحق)، وتستبعد فورًا كل الأهداف الدنيئة (الغزو، الغنيمة، الانتقام، المجد الشخصي). إنها الشرط الأول الذي يضمن أن الحرب لن تتحول إلى مجرد وحشية منظمة.

2. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: ثورة "التمييز"

وهنا تكمن المعجزة التشريعية الأولى! في زمنٍ كانت فيه الحروب تعني "الإبادة الشاملة"، حيث يُعتبر كل من ينتمي للطرف الآخر (رجلاً، امرأة، طفلاً، شيخًا) هدفًا مشروعًا للقتل أو الاسترقاق... جاء الإسلام ليضع مبدأ "التمييز" (Distinction) بشكل صارم وواضح لأول مرة في التاريخ.

القتال موجه فقط وحصريًا ضد من يحمل السلاح ويشارك فعليًا في القتال ضدك.

ماذا يعني هذا بشكل عملي؟ يعني أن كل من عداهم هو في مأمن تلقائيًا:

الأطفال؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا.

النساء؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا إذا لم يشاركن في القتال.

الشيوخ العجزة غير المقاتلين؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا إذا لم يدعموا القتال بالخبرات العسكرية والقيادية وغيره.

رجال الدين المنقطعون للعبادة في صوامعهم؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا طالما لم يشاركوا أو يحرضوا على القتال.

المرضى والجرحى الذين لا يقاتلون؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا.

الفلاحون في حقولهم، الصناع في ورشهم، العمال الأجراء (العسفاء)؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا.

قد يقول القارئ: وأين الدليل الصريح على حماية كل هذه الفئات؟

الدليل ليس فقط في المفهوم الضمني للآية الكريمة، بل في النصوص النبوية الواضحة والتطبيقات العملية التي فصلت هذا المبدأ بشكل لا يدع مجالاً للشك:

الأطفال والنساء والشيوخ: جاء النهي النبوي المتكرر والصريح: "لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأَةً" [رواه أبو داود]. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في إحدى الغزوات امرأة مقتولة، فغضب غضبًا شديدًا وقال مستنكرًا: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ؟!" [رواه أبو داود]، مؤكدًا أن العلة هي عدم المشاركة الفعلية في القتال.
رجال الدين المنقطعون: جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدها الخليفة أبو بكر الصديق في وصيته الشهيرة لجيش الشام: "وَسَتَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ". لماذا؟ لأنهم ليسوا مقاتلين.

المدنيون العاملون (فلاحون، عمال..): جاء في سنن ابن ماجه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "انطلق إلى خالد بن الوليد، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك، يقول: «لا تقتلن ذرية، ولا عسيفا" كما أن هؤلاء يدخلون ضمنًا في النهي عن قتل غير المقاتلين.

وقد أكدت وصايا الخلفاء (كوصية أبي بكر: "ولا تخربن عامرًا") على عدم التعرض لمن يسعى في معيشته طالما لم يشارك في القتال.

ولقد تجلى هذا المبدأ عمليًا في سلوك الجيوش المسلمة أثناء الفتوحات. فعندما حاصر المسلمون بعض المدن للضرورة، لم يلجأوا إلى سياسة التجويع المتعمد للمدنيين كوسيلة ضغط (كما فعلت جيوش أخرى عبر التاريخ)، بل كانوا يركزون جهدهم العسكري على الجيوش المدافعة والحصون. وعندما كانت المدن تُفتح صلحًا (وهو ما كان يحدث في كثير من الأحيان)، كانت العهود تُعطى لجميع السكان بالأمان على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم وكنائسهم. وحتى في حالات الفتح عنوة (بالقوة العسكرية)، كان القادة المسلمون يحرصون قدر الإمكان على تجنيب المدنيين ويلات القتال بمجرد استسلام الحامية العسكرية. قارن هذا بما حدث في حصار لينينغراد (سان بطرسبرغ) في الحرب العالمية الثانية، حيث حاصرت القوات الألمانية المدينة لأكثر من عامين بهدف معلن هو تجويع سكانها حتى الموت، مما أدى إلى وفاة أكثر من مليون مدني في واحدة من أبشع جرائم الحصار في التاريخ الحديث!

المبدأ واضح كالشمس الحرب ضد الجيش المقاتل، لا ضد المجتمع بأكمله. هذا التمييز الدقيق، الذي يعتبر اليوم من أساسيات القانون الدولي الإنساني، وضعه الإسلام كقاعدة إلهية ملزمة قبل 14 قرنًا!

هذه المنظومة الأخلاقية المتكاملة للحرب لم تكن مجرد نصوص متفرقة، بل كانت منهجًا واضحًا طبقه النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى به جيوشه، كما يلخص المستشرق الفرنسي إميل درمنغم: "...وكان محمد يوصي جنوده بأن يرحموا الضعفاء والشيوخ والنساء والأولاد، وكان ينهى عن هدم البيوت وإهلاك الحرث وقطع الشجر المثمر، ويأمر بألا يَسُلَّ مسلمٌ حسامه إلا عند أقصى الضرورة... وهو الذي رأى أن النفس الواحدة خيرٌ من كل الغنائم" .

شهادة خارجية قيمة تختصر كيف أعاد الإسلام تعريف معنى الحرب وقيمتها، وجعل حماية الأرواح والممتلكات أولوية حتى في أشد الظروف.

3. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: "المكابح الأخلاقية" المطلقة

هذه الكلمة القصيرة هي المعجزة التشريعية الثانية في الآية، وهي بمثابة "المكابح الأخلاقية" المطلقة التي تضبط سير المعركة بالكامل.

كلمة "تعتدوا" (Transgress) هي كلمة جامعة مانعة تشمل كل أنواع التجاوز والتعدي. إنها ليست مجرد نهي عن قتل المدنيين، بل هي أوسع من ذلك بكثير:

تجاوز الهدف: أي قتل الفئات التي أمر الله بحمايتها (كما فصلنا أعلاه).

تجاوز الوسيلة: أي استخدام أساليب وحشية غير مبررة، مثل التمثيل بالجثث (المُثلة)، أو التعذيب، أو استخدام أسلحة تسبب دمارًا عشوائيًا مفرطًا.

تجاوز الحاجة (مبدأ الضرورة والتناسب): أي التدمير العشوائي للممتلكات أو البيئة (قطع الأشجار، تسميم المياه، حرق المحاصيل) دون ضرورة عسكرية مباشرة ومُلحة.

تجاوز العهد: أي الغدر والخيانة ونقض المواثيق والأمان الذي أُعطي للعدو.

تجاوز الحد في القصاص: أي الانتقام المبالغ فيه الذي يتعدى حدود العدل والمماثلة.

إنه قيد شامل يضع مبدأي "الضرورة" (Necessity) و "التناسب" (Proportionality) - وهما من ركائز القانون الدولي الحديث - كمعيار إلهي لكل فعل في الحرب. القاعدة: لا تفعل إلا ما هو ضروري لرد العدوان، وبما يتناسب مع حجمه، دون أي تجاوز أو عدوان زائد.

4. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: الضمانة التي لا تفشل

وهنا يكمن "السر" الأعظم الذي يجعل هذا القانون الإلهي مختلفًا جذريًا عن "قوانين جنيف" الوضعية. إنها الرقابة الإلهية الداخلية.

المخالفة هنا ليست مجرد "جريمة حرب" قد تُحاكم عليها في محكمة أرضية (أو لا تُحاكم أبدًا، كما نرى اليوم!)، بل هي قبل كل شيء "معصية" تُغضب الله، وتُعرّض صاحبها لخسارة محبة الله وعقابه في الآخرة.

أي دافع أقوى من هذا لضبط النفس في أشد لحظات الغضب والانتقام؟ إنه الضمير الإيماني الذي يعلم أن الله يراه ويراقبه في كل حركة وسكنة.

"جنيف" مقابل الوحي: الورق مقابل القلب

الآن، لنقفز 14 قرنًا إلى الأمام... بعد أهوال الحربين العالميتين، اجتمعت الدول في جنيف عام 1949 لتضع "القانون الدولي الإنساني". ماذا كانت خلاصته؟

التمييز بين المدنيين والمقاتلين.

التناسب في الهجوم.

المعاملة الإنسانية للأسرى والجرحى.

حظر التمثيل بالجثث والإهانة.

حماية الممتلكات المدنية والبيئة.

أليست هذه هي نفس المبادئ الجوهرية التي اختصرتها تلك الآية القرآنية الواحدة ووضحتها السنة النبوية بالتفصيل قبل ذلك بقرون؟! لقد احتاج العالم "المتحضر" لكل تلك الدماء والمآسي ليكتشف ما كان بديهيًا في شريعة الإسلام منذ فجرها!

بل إن قوانين "جنيف" نفسها، رغم أهميتها، تحمل في طياتها "مرونة" أو "ضبابية" تُستغل لتبرير ما لا يمكن تبريره. فمفهوم "الهدف العسكري المشروع" و "الضرورة العسكرية" و "التناسب" غالبًا ما يُترك تفسيره للقوة المهاجمة نفسها، مما يفتح الباب واسعًا لتقديرات ذاتية تبرر قصف البنية التحتية المدنية أو قتل أعداد كبيرة من المدنيين بحجة وجود هدف عسكري مزعوم أو بحجة أن الضرر "لم يكن مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة"! إنها لغة مطاطة تفتقر إلى الحسم الأخلاقي المطلق الذي نجده في النهي النبوي الواضح: "لا تقتلوا طفلاً... لا تقتلوا امرأة... لا تقتلوا شيخًا فانيًا". لا مجال هنا لـ"تقديرات" أو "تناسب" مزعوم عندما يتعلق الأمر بحياة بريء لا يقاتل.

لكن الفارق يبقى جوهريًا وعميقًا:

قانون "جنيف": مكتوب على ورق، صاغه البشر، ويمكن تغييره أو تفسيره أو تجاهله حسب المصالح.

قانون الإسلام: محفور في القلب، مصدره إلهي، ثابت لا يتغير، وملزم لكل مؤمن.

"جنيف" تحتاج إلى محاكم دولية ومراقبين لتُطبّق (وغالبًا ما تفشل في ذلك). والإسلام يعلي قيمة ضمير المؤمن الذي يعلم أن الله يراه، إضافة إلى ما يلي ذلك من متابعة تنفيذ تلك الأحكام من قبل القائد المسلم و القاضي المسلم .

ومن المثير للاهتمام أن نظرية 'الحرب العادلة' (Just War Theory) في الفكر الغربي، التي تطورت عبر قرون (من أوغسطين إلى توما الأكويني إلى فلاسفة العصر الحديث)، تشترك مع الإسلام في بعض المبادئ (مثل التمييز والتناسب). لكنها تظل نظرية فلسفية وضعية تفتقر إلى الإلزامية المطلقة والرقابة الإلهية الداخلية التي يوفرها المصدر الرباني في الإسلام، مما يفسر سهولة انتهاكها في الممارسة العملية باسم 'المصلحة العليا' أو 'الضرورة'.

وما نراه بأم أعيننا اليوم. غزة هي الدليل الدامغ: رأينا كيف تُداس "اتفاقيات جنيف" بالأقدام كل يوم. رأينا كيف يُستخدم "الفيتو" لمنع تطبيقها أو حتى إدانة خرقها. رأينا كيف تُتجاهل أوامر "محكمة العدل الدولية". وسمعنا التصريح الصادم لوزير الدفاع الأمريكي بأن "جنيف" ليست ملزمة أمام مصالحنا!

إنه "قانون الورق" الذي يسهل خرقه وتمزيقه عندما تتعارض بنوده مع مصالح الأقوياء.

وهذا الفشل ليس مجرد "حادث" أو "خطأ" يمكن تداركه. إنه نتيجة حتمية لمنظومة أخلاقية وضعية تفتقر إلى "المُحرّك الداخلي" و"الرقيب الأعلى". فعندما يكون الالتزام بالقانون مجرد "مصلحة" أو "خوف من العقوبة الدنيوية" (التي غالبًا ما تكون غائبة أو انتقائية)، فمن الطبيعي أن يُضحى بهذا الالتزام عند أول تعارض حقيقي مع "المصلحة العليا" المزعومة للدولة أو للحاكم. لا يمكن بناء صرح أخلاقي متين على أساس رملي متحرك من المصالح البشرية المتقلبة.

أما الإسلام، فقد صنع شيئًا مختلفًا. لم يكتب مجرد قانون، بل بنى "ضميرًا" للمقاتل. هذا الضمير المستمد من الإيمان بالله والخوف منه هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لتطبيق الأخلاق في أقسى الظروف.

إذًا، السر ليس فقط في الكلمات المعجزة ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، بل في المصدر الإلهي الذي يربطها بالقلب ويجعل الالتزام بها عبادة، ومخالفتها معصية. هذه حقيقة مدهشة تضع أخلاق الحرب في الإسلام في مستوى حضاري فريد لم تصل إليه البشرية بعد.

8. "لا تقتلوا طفلاً!": الخط الأحمر المطلق الذي رسمه الإسلام قبل 1400 عام.

في زمنٍ كانت فيه حروب الإبادة قاعدة، وكان قتل أطفال العدو ونسائهم يُعتبر جزءًا طبيعيًا، بل و"ذكيًا"، من استراتيجية الحرب لـ "كسر شوكة العدو" وضمان عدم عودته للانتقام مستقبلاً... جاء الإسلام معلنا بصوتٍ عالٍ لم يسمعه التاريخ من قبل: قفوا! هناك خط أحمر مطلق لا يجوز تجاوزه أبدًا، تحت أي ظرف، وبأي مبرر.

ما هو هذا الخط الأحمر؟ إنه حياة الأبرياء. وعلى رأسهم، الأطفال.

أمرٌ عسكري، لا توصية أخلاقية

لم تكن مجرد توصية أخلاقية لطيفة تُترك لضمير القائد، بل كانت أمرًا عسكريًا مُلزمًا يخرج من فم النبي القائد صلى الله عليه وسلم لجيوشه الذاهبة للقتال. تكررت هذه الوصية مرارًا وتكرارًا، بألفاظ واضحة لا تحتمل التأويل أو التخصيص:

"لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا." (الوليد: الطفل الصغير جدًا)

"لَا تَقْتُلُوا طِفْلًا."

"لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً." (الذرية تشمل كل الأطفال)

هذا النهي لم يكن مقيدًا بشرط ("إلا إذا اختبأوا خلف مقاتل")، ولا مخصوصًا بحالة ("إلا في حالة الدفاع عن النفس"). إنه نهي مطلق. حياة الطفل مقدسة لذاتها، بغض النظر عن دين أبويه أو موقف قومه.

وهذا التحريم المطلق لقتل الأطفال في الإسلام لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تأسيس لمبدأ قانوني وأخلاقي عميق: وهو أن المسؤولية الجنائية فردية ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. فالطفل، بحكم طبيعته، لم يشارك في قرار الحرب ولا في القتال، وبالتالي لا يمكن تحميله وزر أفعال آبائه أو قومه. قتله ليس فقط قتلاً لنفس بريئة، بل هو ظلم يتنافى مع أساس العدل الإلهي.

ولم يتوقف الأمر عند الأطفال، بل امتد ليشمل كل من لا يشارك فعليًا في القتال:

النساء: "وَلَا امْرَأَةً."

الشيوخ العجزة "وَلَا شَيْخًا فَانِيًا." (الفاني: الذي بلغ من الكبر عتيًا ولم يعد قادرًا على القتال أو حتى التحريض عليه).

لماذا هذا التحديد الدقيق؟ لأنه يجسد "مبدأ التمييز" الذي رأيناه في الآية القرآنية ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. هؤلاء ليسوا مقاتلين، وبالتالي استهدافهم هو "عدوان" صريح حرمه الله. الطفل هو براءة المستقبل التي يجب أن تُصان. والمرأة هي حاضنة الحياة واستمرارها. والشيخ الفاني هو رمز الضعف الذي يجب أن يُرحم لا أن يُقتل.

استهداف أي من هؤلاء يحوّل الحرب فورًا من مواجهة عسكرية قد تكون ضرورية، إلى "جريمة حرب" بشعة وممقوتة عند الله.

غضب النبي: "ما كانت هذه لتقاتل!"

والأمر لم يكن مجرد كلام يُقال. لقد رأينا كيف تجسد هذا المبدأ في غضب النبي صلى الله عليه وسلم الشديد عندما رأى امرأة مقتولة في ساحة إحدى المعارك. لم يسأل عن اسمها أو دينها أو سبب وجودها هناك. لم يبحث عن مبررات. بل قال مستنكرًا في وجه الصحابة:"مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ؟!"

جملة واحدة تختصر قانونًا كاملاً: طالما أنها ليست مقاتلة فعلية تحمل السلاح، فقتلها جريمة وعدوان لا يرضاه الله ورسوله.

المقارنة الصادمة: "الأضرار الجانبية" ولغة التبرير الحديثة

الآن... قف هنا للحظة. تذكر أن هذا الكلام قيل وطُبّق قبل 1400 عام. ثم انظر إلى عالمنا "المتحضر" اليوم. انظر إلى لغة الحروب الحديثة الباردة واللاإنسانية.

لقد اخترعوا المصطلح الأكثر برودًا وقسوة في التاريخ: "الأضرار الجانبية" (Collateral Damage).

وهذا المصطلح لم يُخترع عبثًا، بل هو جزء من هندسة لغوية تهدف إلى "تطهير" الحرب من بشاعتها الأخلاقية. فعندما يُقتل مئات الأطفال في قصف سوق شعبي أو مدرسة، لا يُقال "ارتكبنا مجزرة"، بل يُقال "وقع ضرر جانبي مؤسف أثناء استهداف إرهابيين".

هذه اللغة المخادعة ليست مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هي أداة لتخدير الضمير الإنساني وتبرير ما لا يمكن تبريره. وهي تُستخدم بوقاحة لتسويق حروب كاملة، كما حدث في حرب فيتنام حيث كانت قرى بأكملها تُمسح من الوجود تحت مسمى "مناطق إطلاق نار حرة" (Free-fire zones)، وكما يحدث اليوم في غزة حيث تُقصف مربعات سكنية بأكملها بحجة وجود "هدف مشروع" بداخلها، في استهتار مروع بحياة الآلاف.

الأضرار الجانبية، كلمتان سحريتان تُستخدمان لتحويل الطفل الذي قُتل بقنبلة ذكية وهو نائم في سريره... إلى مجرد "خسارة مؤسفة" لكنها "حتمية" أو "غير مقصودة" في سياق "عملية عسكرية ضرورية". إنه الغطاء اللغوي البارد الذي يبرر قصف المباني السكنية المكتظة بالسكان، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق، ومخيمات اللاجئين... بحجة وجود "هدف عسكري" مزعوم في مكان قريب.

لقد رأينا هذا بأم أعيننا يتجسد في أبشع صوره في غزة، وسمعناه بألسنة المسؤولين الغربيين أنفسهم، يتكرر بلا خجل:

تبرير "حق الدفاع عن النفس" المطلق: سمعنا مرارًا وتكرارًا التأكيد على "حق إسرائيل المطلق في الدفاع عن نفسها"، غالبًا دون أي ذكر موازٍ لحق الفلسطينيين في الحياة أو ضرورة الالتزام بقانونهم الدولي. هذا التأكيد المطلق بدا وكأنه يعطي ضوءًا أخضر لاستخدام القوة المفرطة والمميتة ضد المدنيين.

إلقاء اللوم على الضحية (دروع بشرية): تصريحات متكررة تردد الادعاء الإسرائيلي بأن حماس "تستخدم المدنيين دروعًا بشرية"، وهو تبرير يُستخدم دائمًا لتحميل الضحايا أنفسهم مسؤولية مقتلهم، وتخفيف العبء الأخلاقي عن القوة المهاجمة.

ولقد رأينا استخدامًا مروعًا لهذا التبرير في حروب أخرى شنتها قوى غربية. ففي عام 2017 أثناء قصف مدينة "الرقة" السورية، قامت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بقصف جوي ومدفعي هو الأعنف في التاريخ الحديث، أدى إلى تدمير 80% من المدينة ومقتل آلاف المدنيين العالقين بداخلها. ورغم التقارير الموثقة من منظمات دولية (مثل منظمة العفو الدولية) التي وصفت ما حدث بأنه "حرب إبادة"، كان التبرير الرسمي هو أن داعش "استخدم المدنيين دروعًا بشرية" وأن القصف كان ضروريًا "لتحرير المدينة بأقل خسائر ممكنة في صفوف قوات التحالف"! هكذا، يُبرر سحق مدينة بأكملها فوق رؤوس سكانها، وتُلقى المسؤولية على الضحايا أنفسهم، بينما يخرج القاتل الحقيقي بملابس "المحرر"!

القبول الضمني بالخسائر المدنية: تصريحات تصف الوضع بأنه "مأساوي للغاية" لكنها تؤكد في نفس الوقت على "حق الدفاع عن النفس ضد الإرهاب"، بدت وكأنها تقبل ضمنيًا بمقتل عشرات الآلاف كـ "ثمن لا مفر منه" لمواجهة طرف آخر.

رفض الإدانة الصريحة: التردد الطويل في استخدام مصطلحات قوية مثل "جرائم حرب" أو "إبادة جماعية"، والاكتفاء بعبارات عامة مثل "الحاجة لحماية المدنيين"، بل ومعارضة الدعوات لوقف فوري لإطلاق النار في المحافل الدولية (عبر الفيتو المتكرر).

عندما يغضب النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل امرأة واحدة "ما كانت لتقاتل"، بينما يُبرر قادة القرن الحادي والعشرين أو يقللون من هول مقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء عبر استخدام لغة دبلوماسية باردة وتبريرات واهية... هنا ندرك الفجوة الأخلاقية الهائلة. ندرك أنلم تتقدم، بل ربما ارتدت إلا من رحم ربي إلى جاهلية أشد قسوة ودموية، جاهلية تمتلك الآن أسلحة دمار شامل، وتمتلك آلة إعلامية جبارة لتبرير جرائمها بدم بارد.

الإسلام، قبل 14 قرنًا، لم يتحدث عن "تقليل" قتل الأطفال، بل حرّمه تحريمًا مطلقًا. لم يخترع مصطلح "الأضرار الجانبية" ليبرر قتلهم، بل جعل حمايتهم "خطًا أحمر" لا يجوز تجاوزه تحت أي ذريعة.

إنها حقيقة مدهشة وصادمة في وضوحها الأخلاقي المطلق، تضع شريعة الإسلام في قمة الهرم الأخلاقي، وتكشف زيف كل الادعاءات الحضارية التي تسقط عند أول اختبار حقيقي للدم.

9. حتى رهبان العدو في أمان؟ الحصانة المدهشة لدور العبادة.

تخيل جيشًا يدخل أرض عدو يختلف معه في الدين والعقيدة. ماذا تتوقع أن يكون مصير رجال الدين في تلك الأرض؟ وماذا عن أماكن عبادتهم المقدسة؟

عبر التاريخ، وللأسف، غالبًا ما كان رجال الدين يُعتبرون رموزًا حية لهوية العدو وعقيدته، وبالتالي أهدافًا للانتقام أو الإذلال.

وكانت أماكن العبادة (الكنائس، المعابد، الأديرة) تُستهدف بالهدم أو الحرق أو التدنيس كرسالة سيطرة وكسر لروح المغلوب ومحو لهويته.

بل إن الحروب الدينية بشكل خاص كانت ترى في تدمير مقدسات الآخر جزءًا لا يتجزأ من النصر "المقدس"!

لكن الإسلام جاء هنا أيضًا بمبدأ مدهش وصادم لمقاييس ذلك الزمان، بل ولمقاييس زماننا هذا أيضًا في كثير من الأحيان. لقد منح حصانة كاملة ومطلقة لرجال الدين المنقطعين للعبادة، حتى لو كانوا من دين العدو المحارب، وكذلك لأماكن عبادتهم.

"دعوا أصحاب الصوامع": وصية خالدة

لم يكن هذا مجرد تسامح اختياري يُترك لمزاج القائد أو لظروف المعركة، بل كان أمرًا نبويًا وتشريعًا ملزمًا. تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لجيوشه، والتي أكدها وطبقها الخلفاء من بعده كأبي بكر الصديق في وصيته الشهيرة لجيش الشام:"وَلَا تَقْتُلُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ." وفي رواية أخرى أكثر تفصيلاً:"وَسَتَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ (أي الأديرة والمعابد والكنائس المنعزلة)، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ."

لماذا هذه الحصانة المدهشة؟ السبب بسيط ويتسق تمامًا مع "مبدأ التمييز" الذي هو حجر الزاوية في أخلاق الحرب الإسلامية:

لأنهم ليسوا مقاتلين: هم منقطعون للعبادة، لا يحملون سلاحًا ولا يشاركون في القتال ولا حتى في التحريض عليه. وبالتالي، لا ينطبق عليهم وصف ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. استهدافهم هو "عدوان" محرم.

احترام حرية العبادة: حتى في الحرب، الإسلام يقر بحق الآخر في التعبد بطريقته، طالما أنه لا يعتدي على المسلمين. أماكن العبادة لها حرمتها التي لا يجوز انتهاكها.

المقارنة المؤلمة: من مذابح الأقصى إلى قصف كنائس غزة

قارن هذا المبدأ السامي بما حدث ويحدث عبر التاريخ، لترى الفارق المريع:

الحروب الدينية القديمة كم من المعابد والكنائس دُمرت في حروب الرومان والفرس؟ بل حتى داخل الدين الواحد، رأينا كيف اضطهد البيزنطيون (الخلقيدونيون) أقباط مصر ودمروا أو استولوا على كنائسهم قبل الفتح الإسلامي الذي حررهم!
الحروب الصليبية لم يتردد الصليبيون عند احتلالهم الأول للقدس (عام 1099م) في ارتكاب مذابح مروعة داخل المسجد الأقصى نفسه، بل وذكر مؤرخوهم بفخر كيف كانت الدماء تصل إلى ركب الخيل! لقد حوّلوا مكان العبادة إلى مسلخ.

ولم تكن حرمة أماكن العبادة مصانة حتى في حروبهم الداخلية. فخلال "حروب الإصلاح الديني" التي مزقت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لم يتردد البروتستانت والكاثوليك في مهاجمة وتدمير كنائس وأديرة الطرف الآخر بشكل ممنهج. تم تحطيم التماثيل والزجاج الملون ونهب المقتنيات الثمينة، بل وتحويل بعض الكنائس إلى إسطبلات أو ثكنات عسكرية! لقد كان تدمير رموز العدو الدينية جزءًا لا يتجزأ من الصراع، مما يكشف عن عمق التعصب الذي ساد حتى داخل الدين الواحد، في تناقض صارخ مع الحماية التي أمر بها الإسلام لكنائس ومعابد أهل الذمة.

الحروب الحديثة (وهنا المأساة المستمرة): للأسف، ما زلنا نرى هذا السلوك الهمجي حتى اليوم، رغم كل "القوانين الدولية".

في البوسنة: تم تدمير مئات المساجد بشكل ممنهج بهدف محو الهوية الإسلامية.

في العراق وسوريا: تم استهداف وتدمير مساجد وكنائس ومواقع أثرية دينية لا تقدر بثمن على يد روسيا والتحالف الدولي بقيادة أمريكا.

في فلسطين المحتلة (وخاصة غزة): رأينا استهدافًا مباشرًا ومتعمدًا للمساجد التاريخية والأثرية وتحويلها إلى ركام. ورأينا قصف كنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية التاريخية (ثالث أقدم كنيسة في العالم!)، التي كان يلجأ إليها مدنيون مسيحيون ومسلمون على حد سواء!

إن القانون الدولي الحديث (مثل اتفاقية لاهاي 1954) يحظر استهداف الأعيان الدينية والثقافية. لكن مرة أخرى، نرى كيف تصبح هذه القوانين مجرد حبر على ورق عندما تغيب الرقابة الأخلاقية الحقيقية، وعندما يصبح الهدف هو "محو الذاكرة" و "إلغاء هوية" الطرف الآخر.

الإسلام، قبل 14 قرنًا، لم يكتفِ بـ "حظر الاستهداف"، بل جعل عدم التعرض لرجال الدين المسالمين وأماكن عبادتهم واجبًا دينيًا وجزءًا لا يتجزأ من أخلاقيات الحرب الأساسية.

إنها شهادة مدهشة أخرى على عمق التسامح واحترام حرية الاعتقاد الذي جاء به الإسلام، حتى في أصعب الظروف وأشدها قسوة: ظروف الحرب. لقد قدم الإسلام للعالم نموذجًا فريدًا في حماية "الروح" كما حمى "الجسد"، في زمنٍ لم يكن يعرف لمثل هذه القيم مكانًا.

10. "لا تقطعوا شجرة!": هل كانت جيوش الإسلام أول "حماة البيئة" في التاريخ؟

عندما نفكر في "الحرب"، غالبًا ما نتخيل الدمار الذي يلحق بالبشر والمباني. لكن الحروب لها وجه آخر من الدمار، لا يقل بشاعة، بل قد يكون أشد خطرًا على المدى الطويل: الدمار الذي يلحق بالبيئة. بالأرض التي نعيش عليها، بالماء الذي نشربه، بالهواء الذي نتنفسه، وبمصادر الحياة الطبيعية التي لا غنى عنها لاستمرار الجنس البشري. هذا ما يُعرف اليوم بمصطلحات خطيرة مثل "الإبادة البيئية" (Ecocide) أو "الحرب البيئية" (Environmental Warfare).

المدهش والصادم حقًا، أن الإسلام، قبل 14 قرنًا، وفي بيئة صحراوية تعرف قيمة كل قطرة ماء وكل نخلة باسقة أكثر من غيرها، وضع ما يمكن اعتباره أول "قانون بيئي للحرب" في التاريخ!

وصية أبي بكر: دستور بيئي للحرب

هل تتخيل جيشًا يستعد لخوض معركة حياة أو موت، وتأتيه الأوامر العليا ليس فقط بحماية المدنيين، بل بحماية الأشجار والمحاصيل والحيوانات ومصادر المياه؟ هذا بالضبط ما حدث!

لنستمع مرة أخرى إلى أجزاء من وصية الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيشه المتجه إلى الشام، والتي تعتبر وثيقة تاريخية مذهلة في "الأخلاق البيئية للحرب":

"...لَا تَقْتُلُوا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَلَا تُحْرِقُوهُ،وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً،وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَقَرَةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ،وَلَا تُغْرِقُنَّ نَخْلًا وَلاَ تُحْرِقُنَّهَا... [وفي روايات أخرى النهي الصريح عن تسميم المياه أو إفسادها] وَلَا تُخَرِّبُنَّ عَامِرًا..." [موطأ مالك وغيرها].

دعنا نحلل هذه التعليمات المدهشة بمفاهيم اليوم:

"لَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً" / "وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَلَا تُحْرِقُوهُ": هذا ليس مجرد حفاظ على منظر طبيعي، إنه حماية مباشرة لـ "الأمن الغذائي" (Food Security) و "للنظام البيئي" (Ecosystem) و "للبنية التحتية الزراعية" للمجتمع المحلي، حتى بعد انتهاء الحرب! الشجرة المثمرة والنخلة هما مصدر رزق وحياة يجب أن يُصان.

"وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً... إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ": هذا هو مبدأ "الاستخدام المستدام للموارد" (Sustainable Resource Use) حتى في ذروة الصراع. لا قتل عبثي للحيوانات بغرض التدمير أو الانتقام أو "سياسة الأرض المحروقة"، بل فقط للاحتياج الضروري للغذاء.

النهي عن إغراق النخل أو تسميم المياه: هذه حماية مباشرة لـ "مصادر المياه" (Water Resources) و "للأراضي الزراعية" من التدمير المتعمد الذي قد يترك آثارًا كارثية طويلة الأمد (تصحر، تلوث).

"وَلَا تُخَرِّبُنَّ عَامِرًا" هذا أمر عام وشامل بحماية "البنية التحتية المدنية" (Civilian Infrastructure) وكل ما هو قائم ومأهول ويخدم حياة الناس، من قرى ومزارع ومبانٍ، وعدم تدميرها إلا لضرورة عسكرية قاهرة ومباشرة.

تحريم "سياسة الأرض المحروقة"

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن الإسلام، قبل 1400 عام، حرّم بشكل قاطع ما يُعرف اليوم بـ "سياسة الأرض المحروقة" (Scorched Earth Policy)! وهي استراتيجية عسكرية وحشية (استخدمت عبر التاريخ وما زالت تستخدم) تقوم على تدمير كل شيء في طريق الجيش المتقدم أو المنسحب (المحاصيل، الآبار، الماشية، المباني، الجسور) بهدف حرمان العدو من أي موارد، حتى لو أدى ذلك إلى مجاعة وتشريد السكان المدنيين وتدمير البيئة لعقود قادمة.

ولعل أحد أبشع تطبيقات هذه السياسة في التاريخ الأوروبي ما حدث خلال "حرب الثلاثين عامًا" (1618-1648م)، وهي حرب دينية وسياسية مدمرة عصفت بأوروبا الوسطى (خاصة ألمانيا). خلال هذه الحرب، لم تتردد الجيوش المتحاربة من كل الأطراف في حرق القرى والمحاصيل وتدمير مصادر المياه بشكل ممنهج لإضعاف العدو وحرمان السكان المحليين من أي موارد. وكانت النتيجة كارثية: يُقدر أن بعض مناطق ألمانيا فقدت أكثر من نصف سكانها بسبب القتل المباشر والمجاعة والأمراض التي نتجت عن هذا الدمار الشامل! لقد استغرق الأمر قرونًا لتعافي بعض المناطق من آثار هذه الحرب الوحشية التي لم ترحم بشرًا ولا حجرًا ولا شجرًا.

إن الحكمة من وراء تحريم الإسلام لـ'سياسة الأرض المحروقة' تتجاوز مجرد البعد البيئي المباشر. إنها نظرة مستقبلية تدرك أن الحرب، مهما طالت، ستنتهي، وأن الحياة يجب أن تستمر بعدها. فتدمير مصادر الرزق والبنية التحتية للمجتمع المهزوم لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد المعاناة، وزرع بذور الحقد والكراهية لأجيال قادمة، مما يجعل بناء سلام دائم أمرًا شبه مستحيل. الإسلام يريد للحرب أن تكون وسيلة لرد العدوان وتحقيق العدل، لا وسيلة لتدمير أسس الحياة نفسها.

المقارنة الصادمة: من "العامل البرتقالي" إلى تجريف غزة

قارن هذا المبدأ الإسلامي السامي بما فعله البشر في حروبهم، لترى حجم الوحشية التي وصلوا إليها:

سياسة الأرض المحروقة عبر التاريخ: رأيناها تُطبق بضراوة في حملات تاريخية لا حصر لها، من الرومان، إلى حملة نابليون على روسيا، إلى الحرب الأهلية الأمريكية، إلى حرب البوير في جنوب أفريقيا. الهدف دائمًا: تدمير مصادر حياة العدو والمجتمع.

الحرب العالمية الثانية شهدت قصفًا استراتيجيًا مكثفًا للمدن الصناعية والبنية التحتية الحيوية (محطات كهرباء، مصانع، سدود) بهدف شل قدرة العدو على مواصلة الحرب، بغض النظر عن الأثر البيئي أو الإنساني الكارثي.
الحرب الكورية وحرب فيتنام أمثلة صارخة على "الحرب البيئية المتعمدة". في فيتنام، استخدمت الولايات المتحدة "العامل البرتقالي" (Agent Orange) لإبادة ملايين الهكتارات من الغابات والمحاصيل، مما ترك آثارًا صحية وبيئية مدمرة مستمرة حتى اليوم! هذا ليس مجرد "ضرر جانبي"، بل هو "إبادة بيئية" متعمدة.
حروب الخليج والعراق تعرضت البنية التحتية العراقية (محطات كهرباء، محطات معالجة مياه، جسور) لتدمير واسع النطاق، مع استخدام أسلحة (مثل اليورانيوم المنضب) تركت تلوثًا إشعاعيًا وبيئيًا خطيرًا.

ما يحدث في غزة اليوم: وهو يجمع كل هذه الأنواع من التدمير بشكل مكثف وممنهج:

تدمير هائل للبنية التحتية المدنية: أكثر من 80% من المستشفيات خرجت عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، ودُمرت مئات المدارس والمساجد والكنائس التاريخية، وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء تم استهدافها بشكل شبه كامل.

تدمير ممنهج للأراضي الزراعية: أظهرت صور الأقمار الصناعية تجريف وتدمير ما يقرب من نصف الأراضي الزراعية في شمال القطاع، بما في ذلك آلاف الدونمات من بساتين الزيتون والحمضيات والدفيئات الزراعية، بهدف معلن أو ضمني لخلق منطقة عازلة وجعل المنطقة غير صالحة للزراعة والحياة.

تلويث كارثي: ناتج عن ملايين الأطنان من الركام (الذي يحتوي على مواد خطرة ومخلفات ذخائر غير منفجرة)، وتحلل الجثث تحت الأنقاض، وانهيار شبكات الصرف الصحي، مما يهدد بكوارث صحية وبيئية طويلة الأمد. كل هذا يتم بهدف معلن أو ضمني هو جعل القطاع "غير قابل للحياة".

لقد سبق الإسلام العالم كله بأربعة عشر قرنًا حين أدرك أن الحرب يجب ألا تكون حربًا ضد الكوكب نفسه، وضد مصادر الحياة التي وهبها الله للجميع. وضع ضوابط أخلاقية صارمة لحماية البيئة، ليس كترفٍ ثانوي، بل كجزء أساسي من شريعة الرحمة.

فالمقاتل المسلم، وهو يقاتل "في سبيل الله"، لا يمكن أن يرضي الله بتدمير خلقه وإفساد الأرض التي استخلفه فيها. هل كانت جيوش الإسلام أول "حماة البيئة" في التاريخ؟ الإجابة "نعم" بشكل مدهش!

11. يأكل التمر ويُطعم أسيره الخبز؟ قصة إكرام الأسرى التي لا تُصدق.

ماذا يحدث عادةً لأسير الحرب؟ عبر التاريخ، كان مصيره غالبًا مروعًا: إما القتل الفوري بعد الاستسلام، أو الاسترقاق والبيع في أسواق النخاسة كأنه سلعة، أو السخرة الشاقة حتى الموت، أو الإهمال المتعمد في ظروف مهينة لا تليق بحيوان، فضلًا عن إنسان.

في العصر الحديث، ورغم كل مواثيق "جنيف" التي تتحدث عن "المعاملة الإنسانية"، لا يزال الأسير يُنظر إليه غالبًا كـ:

"رقم" في سجلات معتقل مجهول.

"مصدر معلومات" تُستباح كرامته وتُنتهك إنسانيته لانتزاعها (كما سنرى لاحقًا).

"عبء أمني" يُحتجز في ظروف قاسية، ويُحرم من أبسط حقوقه.

لكن الإسلام جاء هنا بقفزة حضارية مدهشة، قفزة قلبت مفهوم التعامل مع الأسير رأسًا على عقب. لقد قال الإسلام للعالم بلغة واضحة: لحظة أن يُلقي عدوك سلاحه ويقع في يدك، يتغير كل شيء! لم يعد مقاتلاً، بل أصبح إنسانًا ضعيفًا تحت مسؤوليتك وحمايتك، له حقوق لا يجوز المساس بها، بل يجب رعايتها.

الأسير: في مرتبة اليتيم والمسكين!

بل إن القرآن الكريم وصل إلى درجة مدهشة في رفع مكانة الأسير الإنسانية، فوضعه في نفس المرتبة مع أشد فئات المجتمع استحقاقًا للرعاية والعطف! يقول الله تعالى في وصف عباده الأبرار الذين يستحقون جنات النعيم:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: 8]

توقف هنا وتأمل!"الأسير" – الذي كان عدوًا يقاتلك قبل قليل وربما قتل أحباءك – يُذكر مباشرة بعد "المسكين" و "اليتيم" كأحد المستحقين للإطعام والإحسان!

والأدهى من ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ حُبِّهِ﴾! أي أنهم يقدمون له هذا الطعام وهم أنفسهم يحبونه ويشتهونه ويحتاجونه. إنه "الإيثار" في أسمى وأرقى صوره، وموجه لمن؟ لأسير الحرب!

قد يبدو هذا نصًا مثاليًا يصعب تطبيقه على أرض الواقع المرير للحرب. لكن المفاجأة أنه طُبّق حرفيًا، وبشكل لا يكاد يُصدق، في أول اختبار حقيقي للمسلمين.

قصة بدر: عندما أصبح الأسير "ضيفًا" يُؤثر بالخبز!

المشهد معركة بدر، أول معركة كبرى في الإسلام. انتصر المسلمون، ووقع في أيديهم عدد من أسرى قريش.من هم هؤلاء الأسرى؟ هم نفس الأشخاص الذين كانوا يعذبون المسلمين في مكة أشد العذاب، ويضطهدونهم، ويصادرون أموالهم، وأخرجوهم من ديارهم! الآن، أصبحوا في قبضة المسلمين الضعفاء سابقًا.

ظروف المسلمين؟ كانوا (خاصة المهاجرين والأنصار في المدينة) يعيشون في حالة من الفقر وضيق العيش. طعامهم الأساسي والرئيسي هو التمر. أما الخبز فيُعتبر طعامًا أفضل ونادرًا نسبيًا يقدمونه للضيوف.

فماذا فعلوا بأولئك الأسرى الذين ساموهم العذاب بالأمس؟ لقد جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلم واضحة ومباشرة كالسيف:"اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا." (أي: عاملوا الأسرى أفضل معاملة).

ولنسمع الآن شهادة أحد هؤلاء الأسرى بنفسه، وهو أبو عزيز بن عمير (أخو الصحابي الجليل مصعب بن عمير)، يروي ما لا يكاد العقل البشري يصدقه:

"كنتُ في رهطٍ من الأنصار حين قدموا بي من بدر، فكانوا إذا حضر غداؤهم أو عشاؤهم خصّوني بالخبز وأكلوا هم التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها (أي منحني إياها بسرعة)".

ويضيف أبو عزيز، وهو يصف مشهدًا يفيض بالخجل من فرط الكرم:"فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها عليّ ما يمسها!" [سيرة ابن هشام بتصرف].

هل تستوعب المشهد؟!

المنتصر... الجائع... يُقدم أفضل طعامه (الخبز النادر) لأسيره العدو!

ويأكل هو الطعام الأقل (التمر)!

بل ويستحيي الأسير من كرمهم فيحاول رد الخبز، فيرفضون ويصرون على إطعامه إياه!

هذا لم يكن بروتوكولاً سياسياً لكسب ودّ الرأي العام (فلم تكن هناك كاميرات تصورهم!). ولم تكن رشوة للأسير ليكشف معلومات. لقد كانت عبادة خالصة لله، وتطبيقًا حرفيًا لوصية النبي الرحيم، وترجمة عملية مذهلة لقوله تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ... وَأَسِيرًا﴾.

إنها قصة تكاد تكون "غير قابلة للتصديق" بمقاييس عالمنا المادي، وتكشف عن أي مستوى مدهش من الإنسانية والرقي وصلت إليه أخلاق الحرب في الإسلام منذ لحظتها الأولى. لقد حوّل الإسلام الأسير من مجرد "غنيمة حرب" أو "رقم في سجن"، إلى "إنسان" له كرامة وحق في الحياة الكريمة، حتى لو كان ذلك على حساب راحة آسره وقوته.

إن هذا الإكرام المدهش للأسرى في الإسلام لم يكن مجرد 'معاملة إنسانية'، بل كان أيضًا 'دعوة صامتة' ودرسًا عمليًا في الأخلاق. كم من أسير دخل الإسلام ليس خوفًا من السيف، بل تأثرًا بهذا السمو الأخلاقي الذي رآه بأم عينه في معاملة آسريه له؟ قصة إسلام ثمامة بن أثال، سيد بني حنيفة، بعد أسره وربطه في المسجد ورؤيته لأخلاق النبي والمسلمين، هي مثال واحد فقط على قوة 'الدعوة بالسلوك' حتى مع الأسرى.

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا تعامل صلاح الدين الأيوبي مع أسرى الصليبيين بعد معركة حطين (1187م). فعلى الرغم من مرارة الهزائم السابقة والوحشية التي أظهرها الصليبيون، إلا أن صلاح الدين عامل آلاف الأسرى معاملة إنسانية كريمة. أمر بتوفير الماء والطعام لهم، وعالج جرحاهم، بل وسمح لزوجات بعض القادة الأسرى بزيارتهم والاطمئنان عليهم. وعندما جاءته زوجة أحد القادة باكية تطلب إطلاق سراح زوجها وأبنائها، رقّ لحالها وأطلقهم لها! بل إنه في حالات كثيرة كان يعفو عن الأسرى الفقراء ويعطيهم من ماله ليعودوا إلى بلادهم. لقد كان سلوكه هذا تجسيدًا حيًا لروح الفروسية الإسلامية التي تجمع بين الشجاعة في الميدان والرحمة عند النصر، وهو ما أثار إعجاب ودهشة مؤرخي أوروبا أنفسهم في ذلك العصر.

المقارنة الصادمة: من "إيثار الخبز" إلى وحشية "غوانتانامو"

والآن، لنضع هذا الموقف النبوي السامي في سياق ما تعرض له المسلمون أنفسهم عبر التاريخ، وما يتعرضون له اليوم، حين يقعون أسرى:

في الحروب الصليبية: تصف المصادر التاريخية (حتى الغربية منها) كيف كان الأسرى المسلمون يُقتلون بشكل جماعي بعد استسلامهم (كما حدث في القدس ومعرة النعمان)، وكيف كان يتم التنكيل بهم وتعذيبهم. لم يكن هناك حديث عن "إطعام" أو "إكرام"، بل غالبًا ما كان مصيرهم القتل أو الاسترقاق في ظروف قاسية.

وحتى في حروبهم الداخلية، لم تكن الرحمة حاضرة دائمًا. انظر إلى مصير أسرى الحرب في معسكر "أندرسونفيل" أثناء الحرب الأهلية الأمريكية (1864-1865م). لقد حُشر عشرات الآلاف من جنود الاتحاد الأسرى في مساحة ضيقة موبوءة، دون مأوى كافٍ أو طعام نظيف أو رعاية طبية، فمات منهم حوالي 13 ألف أسير في عام واحد فقط بسبب المرض والجوع والإهمال المتعمد! لقد كان معسكر موت بطيء، يشهد على قسوة التعامل مع الأسير حتى بين أبناء الوطن الواحد عندما تغيب القيم الحقيقية.

في العصر الحديث (وهنا يزداد الظلام):

غوانتانامو أصبح رمزًا عالميًا لانتهاك حقوق الأسرى في "الحرب على الإرهاب". احتجاز لسنوات طويلة دون محاكمة، استخدام أساليب تعذيب نفسية وجسدية بشعة تحت مسمى "تقنيات التحقيق المعززة"، وإهانة ممنهجة للمعتقدات الدينية (مثل تدنيس القرآن).

أبو غريب وما تلاه (العراق وأفغانستان): الصور الصادمة التي خرجت من سجن أبو غريب لم تكن مجرد "تجاوزات فردية"، بل كشفت عن ممارسات ممنهجة للإذلال والتعذيب الجنسي والنفسي بحق الأسرى العراقيين على أيدي جنود من دول تدّعي ريادة "حقوق الإنسان".

والأدهى من ذلك أن هذه الممارسات لم تكن مجرد تجاوزات وقت الحرب، بل تم تقنينها وتبريرها بأوامر رئاسية ومذكرات قانونية سرية، بحجة "الضرورة" و"المصلحة العليا". وعندما افتُضح الأمر، بدلًا من المحاسبة الجادة للمسؤولين الكبار، تم التستر عليهم أو تقديم أكباش فداء من صغار الجنود. هذا يكشف عن خلل بنيوي في منظومة تدّعي سيادة القانون، حيث يمكن للقانون نفسه أن يُطوّع ليخدم أهدافًا غير أخلاقية، وحيث يمكن للمسؤولين الكبار أن يكونوا فوق المحاسبة. قارن هذا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم من خطأ خالد بن الوليد في بني جذيمة، حيث تبرأ من فعله علنًا وأرسل من يدفع الدية ويعوض المتضررين، مرسخًا مبدأ المسؤولية وعدم التستر على الخطأ حتى لو صدر من أقرب القادة.

السجون الإسرائيلية (مأساة مستمرة): التقارير المستمرة من منظمات حقوقية دولية وفلسطينية بل وإسرائيلية تتحدث عن ظروف احتجاز قاسية للأسرى الفلسطينيين (بمن فيهم آلاف الأطفال والنساء)، تشمل: التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج، الإهمال الطبي المتعمد، الحرمان من الزيارات العائلية، الاعتقال الإداري (بدون تهمة أو محاكمة)، والتغذية القسرية للمضربين عن الطعام. وهي ممارسات تتناقض بشكل صارخ مع أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، ناهيك عن السمو الأخلاقي الذي رأيناه في الإسلام.

لقد شهدنا ذروة هذه الوحشية مع آلاف العمال والمدنيين الذين تم اعتقالهم من غزة خلال العدوان الأخير. لقد تم توثيق (بالصور والفيديو والشهادات) عمليات تجريدهم من ملابسهم بشكل جماعي في البرد القارس، وتكبيلهم وإهانتهم، وتعريضهم للضرب المبرح والتعذيب، واحتجازهم في ظروف لا إنسانية في معسكرات اعتقال مؤقتة، بل ووردت تقارير موثوقة عن وفاة عدد منهم تحت التعذيب أو بسبب الإهمال الطبي المتعمد داخل المعتقلات.

تحدثت التقارير أيضًا عن حالات تنكيل وتشويه متعمد للجثث شملت دهسها بالآليات العسكرية أو تركها للكلاب تنهشها في الشوارع.

عندما تقارن مشهد الصحابي الجائع وهو يُؤثر أسيره بالخبز ويأكل هو التمر طاعةً لله ورسوله، بمشاهد التعذيب والإذلال الممنهج التي تُمارس في سجون حديثة باسم "الأمن القومي" وتحت غطاء "القانون" أحيانًا... تدرك حجم الفجوة الحضارية.

لم يكن إكرام الأسير في الإسلام مجرد لفتة فردية أو سياسة مؤقتة، بل كان تشريعًا إلهيًا ملزمًا ومنهجًا ثابتًا طُبّق منذ اليوم الأول، حتى في أصعب الظروف. بينما نرى أن الممارسات الوحشية ضد الأسرى (وخاصة المسلمين منهم) استمرت وتطورت حتى في عصرنا هذا، رغم كل "المواثيق" و"الاتفاقيات" الدولية.

إنها مقارنة تكشف مرة أخرى، وبشكل مؤلم، عن الفرق الهائل بين أخلاق مصدرها السماء، وأخلاق تمليها مصالح الأرض وأهواؤها.

إنه الفرق بين حضارة ترى الأسير "إنسانًا" له كرامة وحق، فتؤثره على نفسها قربةً لله، وبين حضارة أخرى تراه مجرد "رقم" أو "مصدر معلومات"، فتسحقه بلا رحمة خدمةً لمصالحها، ثم تتشدق بحقوق الإنسان! أيّ الفريقين أحق بأن يصف نفسه بالمتحضر؟

12. ممنوع منعاً باتاً: كيف أغلق الإسلام باب التعذيب قبل قرون من "حقوق الإنسان"؟

لقد رأينا كيف أمر الإسلام بإكرام الأسير وإطعامه، بل وإيثاره على النفس. لكن، ماذا عن استخلاص المعلومات منه؟ ماذا عن "التحقيق"؟ ألا تبرر "ضرورات الحرب" أو "الحفاظ على الأمن القومي" استخدام بعض "القسوة" أو "الضغط الشديد" لانتزاع اعترافات قد تنقذ حياة الكثيرين؟ ألا نسمع عن سيناريو "القنبلة الموقوتة" الذي يُستخدم لتبرير التعذيب في "حالات الضرورة القصوى"؟

هذا هو المنطق الذي ساد عبر التاريخ، والذي لا يزال يُستخدم (بشكل صريح أو ضمني) لتبرير التعذيب في عالمنا اليوم. لقد تم ابتكار مسميات ملطفة ومخادعة مثل "تقنيات التحقيق المعززة" (Enhanced Interrogation Techniques) لتمرير ممارسات هي في جوهرها تعذيب وحشي، جسديًا ونفسيًا.

لكن الإسلام، مرة أخرى، وبشكل مدهش وصادم لمقاييس عصره، بل ولعصرنا أيضًا، أغلق هذا الباب إغلاقًا تامًا ومطلقًا.

"إن الله يعذب الذين يعذبون الناس": الوعيد الإلهي القاطع

لا يوجد أي مبرر على الإطلاق في شريعة الإسلام لتعذيب أسير حرب، أو أي إنسان آخر، لا جسديًا ولا نفسيًا. نقطة. انتهى.

القاعدة جاءت عامة وشاملة وقاطعة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعتبر أساسًا في هذا الباب:«إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». [صحيح مسلم].

تأمل معي هول هذا الوعيد:
"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ" العقوبة ليست مجرد إجراء قانوني دنيوي، بل هي عقوبة إلهية مباشرة وشديدة في الآخرة.

"الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ": كلمة "الناس" جاءت عامة وشاملة، تشمل كل إنسان (مسلم، غير مسلم، أسير، سجين، بريء، مذنب). لم تقل "المسلمين" أو "الأبرياء"، بل كل إنسان. والتعذيب هنا يشمل كل أنواع الإيذاء الجسدي والنفسي الذي يهدف لإلحاق الألم والمعاناة والإهانة.

"فِي الدُّنْيَا" أي أن هذا الفعل الدنيوي (تعذيب الناس في الدنيا) هو سبب مباشر لعذاب الله في الآخرة.

هذا الحديث وحده كافٍ ليكون رادعًا داخليًا هائلاً لأي مسلم يفكر مجرد تفكير في إيذاء أسير أو سجين. إنه ليس مجرد "قانون" يمكن التحايل عليه بمذكرات قانونية تبرر "الضرورة" (كما فعلت إدارة بوش في أمريكا). بل هو "وعيد إلهي" مباشر لمن يتجاوز هذا الحد الأحمر.

لماذا هذا الموقف المطلق؟ قدسية الكرامة الإنسانية

لماذا هذا الموقف الحاسم والمطلق الذي لا يقبل استثناء؟ لأن الإسلام يرى الكرامة الإنسانية ليست "منحة" تُعطى وتُسلب حسب الظروف أو المصلحة أو الهوية، بل هي "قيمة فطرية أصيلة" كرم الله بها بني آدم جميعًا، لمجرد كونهم بشرًا:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

والتعذيب هو أقصى درجات "الإهانة" لهذه الكرامة التي منحها الله. هو اعتداء ليس فقط على جسد الإنسان، بل على روحه ونفسه وإنسانيته التي كرمها الله. إنه محاولة لـ "سحق" إنسانية الإنسان وتحويله إلى مجرد كتلة من الألم والخوف.

لذلك، لم يفرق الإسلام بين تعذيب العدو وتعذيب الصديق، ولم يسمح بأي استثناءات تحت أي ذريعة:

لا ذريعة "الأمن القومي".

لا ذريعة "الحصول على معلومات حيوية" (حتى لو كانت "قنبلة موقوتة"!).

لا ذريعة "المعاملة بالمثل" (فالإسلام ينهى عن المثلة حتى لو مُثّل بالمسلمين، فكيف بالتعذيب؟).

كل هذه المبررات "الأرضية" تسقط أمام قدسية الكرامة الإنسانية التي أمر الله بصونها.

ولم يقتصر تحريم الإسلام للتعذيب على البعد الأخلاقي والإنساني، بل امتد ليشمل البعد القضائي. فالفقهاء المسلمون أجمعوا على أن 'الاعتراف الصادر تحت الإكراه (التعذيب) باطل ولا يُعتد به شرعًا'. وهذا مبدأ قضائي عظيم يحمي المتهمين (حتى لو كانوا أسرى حرب) من انتزاع اعترافات زائفة تحت وطأة الألم، ويضمن سلامة الإجراءات القضائية. قارن هذا بما يحدث في 'المحاكمات العسكرية' الصورية التي تعتمد على اعترافات منتزعة تحت التعذيب في أماكن مثل غوانتانامو أو السجون الإسرائيلية أو سجون الحكومات العربية التي تحكم بالقوانين الوضعية.

المقارنة الحادة: "تقنيات التحقيق" و "نفاق حقوق الإنسان"

والآن، قارن هذا الموقف الأخلاقي المطلق بما حدث ويحدث في العالم:

تاريخيًا: التعذيب لم يكن مجرد ممارسة شائعة في الحضارات القديمة، بل استمر كأداة "قانونية" معتمدة في أوروبا لقرون طويلة. لقد كانت "محاكم التفتيش" الكنسية (خاصة في إسبانيا) تستخدم أبشع أساليب التعذيب لانتزاع "الاعترافات" من المتهمين بالهرطقة (بمن فيهم المسلمون واليهود الذين أُجبروا على التنصير). وحتى في المحاكم المدنية الأوروبية، كان التعذيب يُستخدم بشكل روتيني كجزء من "الإجراءات القضائية" حتى القرن الثامن عشر تقريبًا! لقد احتاجت أوروبا لثورات وتنوير مزعوم لتتخلى (نظريًا على الأقل) عن ممارسات كانت جزءًا لا يتجزأ من نظامها "العدلي" لقرون.

حديثًا (وهنا الصدمة الأكبر والنفاق الأوضح): رغم أن "اتفاقية مناهضة التعذيب" الدولية (1984) تحظر التعذيب بشكل مطلق ولا تسمح بأي استثناءات تحت أي ظرف (حتى الحرب أو حالة الطوارئ)، ورغم أن معظم دساتير العالم تجرمه... إلا أن الممارسة الواقعية تكشف عن نفاق مروع:

"تقنيات التحقيق المعززة" بعد أحداث 11 سبتمبر، قامت الولايات المتحدة (عبر مذكرات قانونية شهيرة مثل "مذكرات التعذيب" التي صاغها جون يو وغيره) بإعادة تعريف التعذيب بشكل ضيق جدًا للسماح بممارسات وحشية مثل "الإيهام بالغرق" (Waterboarding)، والحرمان الحسي، والإرهاق الشديد، والوضعيات المجهدة، والإذلال الجنسي والديني في معتقلات مثل غوانتانامو و السجون السرية حول العالم (Black Sites). كل ذلك تم تبريره قانونيًا تحت غطاء "الحرب على الإرهاب"!
أبو غريب وغوانتانامو لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل كشفت عن سياسات ممنهجة أو على الأقل متسامح معها على أعلى المستويات تسمح بانتهاك كرامة الأسرى وتعذيبهم.
السجون الإسرائيلية شهادات وتقارير لا حصر لها من منظمات حقوقية دولية (مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش) ومنظمات إسرائيلية (مثل بتسيلم) توثق استخدام التعذيب وسوء المعاملة (بما في ذلك ضد الأطفال) بشكل منهجي وروتيني ضد الأسرى الفلسطينيين، وغالبًا ما يفلت مرتكبوها من العقاب بدعم من النظام القضائي.

الاستعانة بمصادر خارجية للتعذيب (Rendition): قيام بعض الدول الغربية (ومنها الولايات المتحدة) بإرسال مشتبه بهم سرًا إلى دول أخرى (مثل مصر وسوريا والأردن) معروفة بممارسة التعذيب للحصول على معلومات منهم، للتحايل على قوانينها المحلية التي تمنع التعذيب! إنه "غسيل أموال التعذيب".

بل إن النفاق يصل إلى حد أن نفس الدول الغربية التي تتغنى بحقوق الإنسان وتدين التعذيب نظريًا، هي نفسها التي تدعم سياسيًا وعسكريًا وماليًا أنظمة ديكتاتورية حليفة لها معروفة بممارستها المنهجية للتعذيب ضد شعوبها ومعارضيها! يتم غض الطرف عن هذه الجرائم طالما أن هذه الأنظمة تخدم المصالح الغربية (الاقتصادية أو الاستراتيجية). فأي مصداقية تبقى لشعارات "حقوق الإنسان" عندما تُستخدم كأداة سياسية انتقائية، تُشهر في وجه الخصوم ويُسكت عنها عند الحلفاء؟

فلسفة "القنبلة الموقوتة": النقاشات الفلسفية والأخلاقية في الغرب التي تحاول إيجاد "مبرر استثنائي" للتعذيب في سيناريوهات افتراضية (مثل وجود قنبلة على وشك الانفجار ولا يمكن معرفة مكانها إلا بتعذيب شخص)، تفتح الباب لتبرير ما لا يمكن تبريره.

إن العالم الحديث، الذي يتغنى بـ "حقوق الإنسان" و "سيادة القانون"، هو نفسه الذي يجد المبررات القانونية والفلسفية للسماح بالتعذيب في "ظروف استثنائية".

أما الإسلام، قبل 14 قرنًا، وبكلمات نبوية بسيطة وحاسمة، أغلق هذا الباب تمامًا وبلا أي استثناء. لقد أعلن أن كرامة الإنسان، حتى لو كان عدوًا أسيرًا، هي خط أحمر إلهي لا يجوز المساس به أبدًا. لا توجد "ضرورة" يمكن أن تبرر إهانة خليقة كرمها الله.

إنها حقيقة مدهشة أخرى تكشف عن عمق البعد الأخلاقي والإنساني في شريعة الإسلام، وسبقها المذهل لكل المواثيق الحديثة ليس فقط في النص، بل وفي الروح والمقصد.

13. الفدية: أن تُعلّم أطفال عدوك القراءة! أغرب طرق إنهاء الأسر في التاريخ.

لقد رأينا كيف أمر الإسلام بإكرام الأسير وحرّم تعذيبه تحريمًا مطلقًا. لكن ماذا بعد ذلك؟ هل مصيره هو البقاء في الأسر إلى أجل غير مسمى؟ أو ربما الاسترقاق الدائم كما كان شائعًا في العالم القديم؟

هنا يقدم الإسلام خيارات مدهشة أخرى، تكشف عن نظرته العميقة نحو المستقبل، نحو إعادة التأهيل و إعلاء قيمة العلم، لا مجرد العقاب أو الانتقام. لم يترك الإسلام مصير الأسير معلقًا في فراغ قانوني أو أخلاقي، بل وضع خيارات واضحة ومشروعة لإنهاء حالة الأسر، تتسم بالرحمة والمرونة والحكمة.

خيارات ما بعد الحرب: "المَنّ" أو "الفداء"

القرآن الكريم يلخص هذه الخيارات في آية واحدة محكمة بعد انتهاء القتال ووضع الحرب أوزارها:﴿...فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا...﴾ [سورة محمد: 4]

لاحظ الخيارين الأساسيين اللذين يُترك تقديرهما لولي الأمر (الحاكم المسلم) بما يحقق المصلحة العليا:

1. "المَنّ" (الإطلاق المجاني): وهو إطلاق سراح الأسير مجانًا، دون أي مقابل مادي أو تبادل.

إنه عفو كريم يُقدم كبادرة حسن نية، أو رأفة بحال الأسير وأهله، أو ترغيبًا له في الإسلام بعد أن رأى حسن المعاملة. وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يطبق هذا الخيار مرارًا، كما حدث مع أسرى غزوة حنين (قبيلة هوازن)، الذين أُطلقوا جميعًا بلا مقابل بعد أن جاء وفد قومهم مسلمًا تائبًا. إنه قمة العفو عند تمام المقدرة.

2. "الفداء" (الإطلاق بمقابل): وهو إطلاق سراح الأسير مقابل فدية. (وهنا تأتي المفاجأة الكبرى التي تكشف عن عبقرية النظرة الإسلامية!)

كلمة "فداء" قد توحي فورًا إما بالمال، أو بتبادل الأسرى (أسير مسلم مقابل أسير عدو). وهما شكلان مشروعان تمامًا للفداء في الإسلام وطُبقا تاريخيًا.

لكن الإسلام فتح الباب أمام شكل من أشكال الفداء لم يخطر على بال أحد في ذلك العصر، بل ويثير الدهشة والإعجاب حتى اليوم!

قصة بدر: عندما أصبح "العلم" هو الفدية!

نعود مرة أخرى إلى أسرى معركة بدر. بعد أن استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه واختار قبول الفدية من الأسرى القادرين (بدلًا من قتلهم كما أشار عمر رضي الله عنه مبدئيًا من باب كسر شوكة قريش)، واجه مشكلة عملية: كثير من أسرى قريش كانوا فقراء لا يملكون المال لدفع الفدية المطلوبة (كانت حوالي 4000 درهم، وهو مبلغ كبير جدًا آنذاك).

فماذا كان الحل؟ هل يُسترقّون لعدم قدرتهم على الدفع؟ هل يُقتلون لعدم الفائدة منهم؟ هنا تجلت عبقرية النبوة ورؤيتها الحضارية الثاقبة.

لقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم قرارًا مدهشًا، يعتبر ثورة في مفهوم "قيمة الإنسان":من كان من الأسرى الفقراء يجيد القراءة والكتابة (وكانت مهارة نادرة جدًا في ذلك الوقت، خاصة في مجتمع أمي كالمجتمع المدني الناشئ)...فإن فداءه وخروجه من الأسر هو أن يُعلّم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة!

توقف وتخيل المشهد بعقلية ذلك الزمان... وبعقلية زماننا أيضًا!

أسير حرب... يتحول إلى مُعلّم!

عدو الأمس... يصبح معلمًا لأبناء خصومه اليوم!

ساحة المعركة... تتحول فجأة إلى فصل دراسي!

الفدية لم تعد مالًا يُدفع... بل علمًا يُنقل!

ماذا يعني هذا القرار المدهش؟

قيمة العلم والمعرفة: إنه يُظهر القيمة العليا التي وضعها الإسلام للعلم والقراءة والكتابة منذ لحظاته الأولى. فك رقبة أسير (وهو عمل عظيم في الإسلام) مقابل تعليم أطفال الأمة! أي تكريم للعلم أكبر من هذا؟

نظرة إنسانية للأسير (رأس المال البشري): لم يُنظر للأسير المتعلم كـ "عدو يجب التخلص منه"، بل كـ "إنسان" يمتلك مهارة (رأس مال بشري) يمكن الاستفادة منها بشكل إيجابي يعود بالنفع على الجميع، بما فيهم الأسير نفسه الذي ينال حريته.

هدف بناء لا هدم: بدلًا من الانتقام أو الإذلال، تم اختيار حل يحول الموقف السلبي (الأسر) إلى فرصة إيجابية (نشر التعليم وبناء العقول).

تأليف القلوب: تخيل أثر هذا الموقف على الأسرى أنفسهم! لقد عوملوا بإنسانية لم يعهدوها، وقُدّرت مهارتهم بدلًا من إهانتهم أو استغلالهم في أعمال شاقة. لا شك أن هذا ترك أثرًا عميقًا في نفوس الكثيرين منهم، وربما كان سببًا في إسلام بعضهم لاحقًا عن قناعة ورضا.

رؤية مستقبلية: لقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة أن بناء الدولة الجديدة يحتاج إلى جيل متعلم. واستغل الموقف لبناء هذا المستقبل، حتى من خلال "أعداء الأمس"!

إن قرار النبي صلى الله عليه وسلم بجعل 'التعليم' فداءً للأسرى لم يكن وليد لحظته، بل هو تجسيد عملي للقيمة العليا التي منحها الإسلام للعلم منذ أول كلمة نزلت من الوحي: ﴿اقْرَأْ﴾. لقد جعل الإسلام طلب العلم فريضة، ورفع مكانة العلماء، واعتبر مدادهم أثقل من دماء الشهداء في بعض السياقات. فأن يصبح تعليم القراءة والكتابة ثمنًا لحرية أسير حرب، هو تتويج لهذه النظرة الحضارية التي ترى في العلم أساس بناء الأمم ومفتاح تحرير العقول.

المقارنة الصادمة: غوانتانامو مقابل "فصول بدر"!

قارن هذا بأوضاع الأسرى في أماكن أخرى:

في كثير من الحضارات القديمة، كان مصير الأسير الفقير هو الاسترقاق المؤبد أو القتل بلا رحمة.

وفي العصر الحديث، نرى:

حالات احتجاز لأجل غير مسمى (كما في غوانتانامو) دون محاكمة أو أفق واضح للخروج.

بل ووصل الأمر إلى الإهانة الممنهجة للمعتقدات والمقدسات الدينية للأسرى، خاصة المسلمين منهم، كوسيلة للضغط النفسي والإذلال. لقد تواترت الشهادات من معتقلي غوانتانامو وأبو غريب عن حوادث تدنيس متعمد للمصاحف، أو إجبار المعتقلين على الاستماع لموسيقى صاخبة أثناء أوقات الصلاة، أو إهانتهم بألفاظ نابية تستهدف دينهم ونبيهم. قارن هذا السلوك الهمجي الذي يستهدف "روح" الأسير ومعتقده، بالموقف النبوي الذي رأى في "علم" الأسير قيمة عليا تُفتدى بها حريته! شتان بين من يسعى لتحطيم إنسانية الأسير بكل السبل، وبين من يبحث عن أي بذرة خير فيه ليستثمرها ويرفع من شأنه.

عمليات تبادل أسرى معقدة تخضع لحسابات سياسية بحتة ومساومات طويلة، دون النظر لقيمة الأسير الإنسانية.

نادرًا ما يُنظر للأسير كطاقة بشرية يمكن إعادة تأهيلها أو الاستفادة منها بشكل إيجابي للمجتمع (باستثناء ربما بعض برامج "نزع التطرف" التي غالبًا ما تكون قسرية وسطحية ومعظم ضحاياها من الأبرياء).

لقد قدم الإسلام، من خلال خيارات "المَنّ" و "الفداء" (وخاصة فداء التعليم المدهش)، رؤية متقدمة جدًا لإنهاء حالة الأسر. رؤية تركز على الرحمة، و بناء الجسور، و قيمة الإنسان، و قيمة العلم. وليست مجرد رؤية تركز على الانتقام أو المصلحة المادية البحتة أو الحسابات السياسية الضيقة.

إنها شهادة أخرى على العمق الحضاري والإنساني لهذه الشريعة، التي رأت في "عدو الأمس" المتعلم، "معلمًا" محتملاً لـ "جيل الغد"!

14. "إنا لا نغدر": القصة المؤلمة التي أثبتت أن كلمة المسلم أغلى من الدم.

في عالم السياسة والمصالح، غالبًا ما تكون "المعاهدات" و "الوعود" مجرد حبر على ورق. أدوات تكتيكية يُلتزم بها طالما تخدم المصلحة، ويُتلاعب بها أو تُنقض بسهولة عندما تتغير الظروف. تصبح "المصلحة الوطنية" (أو القومية أو الحزبية) هي المبرر الأعلى الذي يتجاوز أي التزام أخلاقي أو قانوني. الغدر يصبح "واقعية سياسية"، ونقض العهد يُسمى "مرونة تكتيكية".

لكن الإسلام جاء بمفهوم مختلف جذريًا، مفهوم قد يبدو "غير عملي" أو "مثاليًا بشكل ساذج" لمن اعتاد على حسابات السياسة البراغماتية. لقد جعل الإسلام الوفاء بالعهد ليس مجرد "سياسة حكيمة" لبناء الثقة، بل "دينًا" و "عبادة" و "مسؤولية" يُحاسب عليها الإنسان أمام الله حسابًا عسيرًا.

العهد: مسؤولية أمام الله

القرآن كان حاسمًا وصريحًا ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [سورة الإسراء: 34].
تأمل كلمة "مسؤولاً"! أي أن الله سيسألك عنه يوم القيامة. ليس مجرد مسؤولية أمام الناس أو التاريخ، بل أمام الله مباشرة.

والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الغدر ونقض العهد من علامات النفاق الكبرى (آية المنافق ثلاث... وإذا عاهد غدر). وحذر منه تحذيرًا شديدًا حتى في الحرب، فكانت وصيته الدائمة لجيوشه: "وَلَا تَغْدِرُوا". بل وتوعد الغادر بـ "فضيحة" علنية يوم القيامة ليعرف الناس غدرته:«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» [متفق عليه].

الاختبار الأصعب: قصة صلح الحديبية وأبي جندل

قد يبدو هذا الكلام نظريًا جميلاً. لكن المفاجأة الحقيقية، والصدمة الأخلاقية الكبرى، تكمن في التطبيق العملي لهذا المبدأ في واحد من أصعب المواقف وأكثرها إيلامًا وقسوة في التاريخ الإسلامي.

المشهد صلح الحديبية، العام السادس للهجرة. المسلمون يذهبون للعمرة مسالمين بملابس الإحرام، فتمنعهم قريش (عدوهم اللدود) من دخول مكة. بعد مفاوضات شاقة، يتم التوصل إلى "صلح" مؤقت.

كانت شروط الصلح تبدو للبعض في ظاهرها مهينة للمسلمين. شعر الصحابة بالمرارة والغضب، حتى أن عمر بن الخطاب راجع النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر ("ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟").

لكن الشرط الأكثر إيلامًا وقسوة، والذي كاد يفجر الموقف، كان:"أن من جاء من قريش مسلمًا إلى المدينة (هاربًا بدينه)، يجب على المسلمين أن يردوه إلى قريش (حيث سيتعرض للتعذيب والفتنة). أما من ذهب من المسلمين مرتدًا إلى قريش، فلا ترده قريش."

تخيل مرارة هذا الشرط! أن تُجبر على تسليم أخيك المسلم المستضعف لعدوك ليعذبه ويفتنه في دينه؟! أي قلب يطيق هذا؟!

وبينما كانت وثيقة الصلح تُكتب وتُوقّع...حدث المشهد الذي حبس الأنفاس:

رجل مسلم يقتحم المكان، وهو يجر قيوده الثقيلة التي تحتك بالحصى محدثةً صوتًا مؤلمًا يمزق سكون اللحظة! وجهه مدمى من التعذيب وآثاره بادية على جسده المنهك، وهو يصرخ بأعلى صوته مستغيثًا بالمسلمين:"يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! أأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِي فِي دِينِي؟!"

من كان هذا الرجل؟ لقد كان أبو جندل بن سهيل بن عمرو. والمفارقة الأشد إيلامًا أنه ابن "سهيل بن عمرو" نفسه، ممثل قريش الذي كان يفاوض النبي ويوقع معه المعاهدة الآن! لقد أسلم أبو جندل سرًا في مكة، فعذبه أبوه وقومه ليترك دينه، فاستغل فرصة وجود المسلمين قريبًا وهرب إليهم في تلك اللحظة الحرجة!

قام أبوه "سهيل" فورًا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد، هذا أول ما أقاضيك عليه (أول بند أطالبك بتنفيذه فورًا) أن ترده إليّ حسب الاتفاق!"

كانت لحظة لا تُطاق. الصحابة ينظرون إلى أخيهم المستضعف يستجير بهم وهو في قيوده. القلوب تغلي. عمر ينتفض.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يرى قيود أبي جندل بعينيه، وقلبه يتفطر ألمًا عليه، اتخذ القرار الأصعب، والأكثر إثباتًا للمبدأ في التاريخ. قال بصوت مملوء بالحزن ولكن بثبات لا يتزعزع:«يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ».

الكلمة المفتاح التي هزت الوجود: "إِنَّا لَا نَغْدِرُ".

انتهى الأمر. تم رد أبي جندل إلى أبيه وإلى مكة، وسط بكاء المسلمين وألمهم وصدمتهم.

ماذا يعني هذا الموقف المدهش؟

قدسية العهد المطلقة: لقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم عمليًا أن كلمة المسلم وعهده، حتى لو أُعطي للعدو، هو ميثاق مقدس لا يجوز نقضه تحت أي ظرف، حتى لو كان الثمن هو ألم المسلمين أنفسهم، وحتى لو بدا تطبيقه "ظلمًا" على أخ مسلم. "كلمة المسلم أغلى من الدم".

بناء الثقة الحضارية: في تلك اللحظة، لم يكن النبي يرد أبا جندل فقط، بل كان يبني للعالم كله أساس "مصداقية" الدولة المسلمة. دولة تفي بكلمتها مهما كان الثمن. هذه المصداقية هي التي ستفتح له لاحقًا قلوب الجزيرة العربية والعالم.

الثقة بوعد الله لقد طمأن النبي أبا جندل بأن الله سيجعل له مخرجًا. وهذا ما حدث بالفعل بشكل مدهش! فبعد فترة، استطاع أبو جندل وأمثاله من المستضعفين (مثل أبي بصير) الهرب مرة أخرى من مكة، ولم يذهبوا للمدينة (التزامًا بالعهد)، بل أقاموا معسكرًا خاصًا بهم على طريق قوافل قريش التجارية، وبدأوا بمهاجمة هذه القوافل (فهم ليسوا طرفًا في معاهدة النبي مع قريش!). أصبحوا شوكة في حلق قريش، حتى جاءت قريش بنفسها تتوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلغي هذا البند من المعاهدة وأن يأخذ هؤلاء المسلمين إليه في المدينة ليكفوا عن مهاجمة قوافلهم! فتحقق وعد الله بالفرج، وثبت أن الصبر على المبدأ يأتي بالخير دائمًا.

ولم يكن موقف الحديبية هو الوحيد. فالتاريخ الإسلامي يحفل بمواقف مشابهة. يُروى عن حذيفة بن اليمان وأبيه أنهما أرادا الالتحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم في بدر، فأخذتهما قريش واشترطت عليهما ألا يقاتلا مع النبي ليطلقوهما. فلما وصلا وأخبرا النبي، قال لهما: 'انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم' (رواه مسلم). لقد فضل النبي الوفاء بالعهد الذي أُعطي للعدو على كسب مقاتلين إضافيين في أحرج الظروف! هذا يؤكد أن الوفاء بالعهد لم يكن خيارًا سياسيًا بل مبدأً دينيًا لا مساومة فيه.

ومن الشواهد على الالتزام الأخلاقي حتى مع الأعداء، معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لرسل وسفراء أعدائه. فعلى الرغم من أن بعض هؤلاء الرسل جاءوا بوقاحة أو حملوا رسائل تهديد (مثل رسل مسيلمة الكذاب)، إلا أن النبي كان دائمًا يؤمّنهم ويرفض قتلهم، قائلاً: 'لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكما'. هذا المبدأ (حصانة المبعوث الدبلوماسي) أصبح قاعدة أساسية في العلاقات الدولية لاحقًا، لكن الإسلام أرساه كواجب ديني وأخلاقي.

المقارنة الصادمة: "الواقعية السياسية" مقابل "شرف الكلمة"

قارن هذا الموقف الفريد بما نراه اليوم (وما رأيناه عبر التاريخ):

دول عظمى تنسحب من اتفاقيات دولية (مثل اتفاق باريس للمناخ، أو الاتفاق النووي الإيراني) بمجرد تغير الإدارة أو تغير المصالح.

الانسحاب الأحادي من اتفاقيات الحد من التسلح: شهدنا أيضًا انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من معاهدات مهمة للحد من التسلح تم التفاوض عليها لسنوات طويلة مع روسيا (مثل معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى INF عام 2019، ومعاهدة الأجواء المفتوحة عام 2020). هذه الانسحابات، التي تمت غالبًا بحجج واهية تتعلق بـ "المصلحة الوطنية"، لم تؤدِ فقط إلى تقويض الثقة الدولية، بل أعادت إشعال سباق تسلح خطير يهدد الأمن العالمي بأسره. إنها تُظهر كيف يمكن للقوة العظمى أن تتخلى عن التزاماتها الدولية بسهولة عندما ترى أنها لم تعد تخدم مصالحها الضيقة، بغض النظر عن العواقب على السلام العالمي.

معاهدات سلام تُنقض بسهولة بمجرد تغير موازين القوى (كم من معاهدات نُقضت بين روما وقرطاج؟).

ضمانات دولية تُداس بالأقدام (مثل ضمانات بودابست التي تعهدت بحماية وحدة أراضي أوكرانيا مقابل تخليها عن النووي، ثم غزو روسيا لها).

اتفاقيات وقف إطلاق النار تُنتهك بسهولة، وتُستخدم الهدن كـ "فخ" لإعادة التموضع والهجوم (كما حدث ويحدث في غزة مرارًا).

نقض منهجي لمعاهدات السكان الأصليين في أمريكا وكندا وأستراليا لصالح التوسع الاستيطاني.

الخداع والغدر في السياسة الدولية: لن ننسى "وعد بلفور" المشؤوم (1917) الذي أعطى فيه من لا يملك (بريطانيا) وعدًا لمن لا يستحق (الحركة الصهيونية) بإقامة وطن قومي على أرض شعب آخر (الفلسطينيين)، في خيانة صريحة لوعود سابقة أُعطيت للعرب بالاستقلال. ولن ننسى اتفاقية "سايكس-بيكو" السرية (1916) التي قسمت بلاد العرب كغنيمة بين بريطانيا وفرنسا، بينما كانت الدولتان تتظاهران بدعم تطلعات العرب للتحرر. إن تاريخ السياسة الغربية الحديثة مليء بمثل هذا الغدر الذي يُبرر باسم "المصالح الاستراتيجية".

والقضية الفلسطينية نفسها هي أكبر شاهد على هذا الغدر المستمر. فمنذ "اتفاقيات أوسلو" (1993) التي كان من المفترض أن تؤدي إلى حل الدولتين، ماذا رأينا؟ رأينا إسرائيل تتوسع في بناء المستوطنات بشكل غير مسبوق على الأراضي المحتلة، ضاربةً عرض الحائط بكل الاتفاقيات وقرارات الأمم المتحدة (مثل قرار مجلس الأمن 2334 الذي أدان الاستيطان) بل نتنياهو شخصيًا يتفاخر بأنه أفشل مشروع حل الدولتين الذي هو إجحاف بحق الشعب الفلسطيني ووقعت عليه فصائل لا تمثله ومع ذلك نقضوا هذه العهود ورأينا تنكرًا ممنهجًا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين المكفول بالقرارات الدولية (مثل قرار الجمعية العامة 194). ورأينا حصارًا خانقًا وغير قانوني يُفرض على قطاع غزة لسنوات طويلة، يُعاقب فيه شعب بأكمله بشكل جماعي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. ورأينا الولايات المتحدة تستخدم "الفيتو" مرارًا وتكرارًا لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية حقيقية، مؤكدةً أن "شرف الكلمة" و "قدسية العهد" لا مكان لهما عندما تتعارض مع دعم الحليف الاستراتيجي، حتى لو كان هذا الدعم على حساب دماء وحقوق شعب بأكمله.

لقد أصبح نقض العهود والغدر "جزءًا من اللعبة" السياسية الدولية، بل ويُعتبر أحيانًا "واقعية سياسية" أو "دفاعًا عن المصالح الوطنية العليا".

الإسلام، في المقابل، قدم نموذجًا مدهشًا في الحديبية. لقد علّم البشرية أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الغدر عندما تسنح الفرصة، بل في الثبات على المبدأ والشرف حتى عندما يكون ذلك مؤلمًا. إنها شهادة تاريخية على أن "الكلمة" في حضارة الإسلام لها وزن أثقل من الذهب والدم معًا.

15. "كنائسكم لكم": العهدة العمرية التي أذهلت العالم في القدس.

إذا كانت قصة صلح الحديبية قد أظهرت لنا الوفاء بالعهد في لحظة الألم والضعف الظاهري، فإن فتح القدس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم لنا النموذج الأروع للوفاء بعهد الأمان في لحظة القوة المطلقة والنصر الكامل.

الخليفة يأتي بنفسه: مشهد تاريخي من التواضع

المشهد القدس (إيلياء كما كانت تُعرف)، عام 637 ميلادي تقريبًا. بعد حصار فرضته الجيوش المسلمة، قرر سكان المدينة المسيحيون الاستسلام. لكنهم وضعوا شرطًا مدهشًا قد لا تجده في أي تاريخ فتح آخر: لن نسلم مفاتيح المدينة إلا للخليفة الأعلى للمسلمين نفسه، عمر بن الخطاب!

لماذا هذا الشرط؟ ربما سمعوا عن عدل عمر وزهده وورعه الذي طبقت شهرته الآفاق، وأرادوا ضمانة شخصية منه على حياتهم ومقدساتهم.

والمدهش أكثر، أن الخليفة عمر، وهو حاكم الإمبراطورية الإسلامية المتنامية آنذاك، استجاب لهذا الطلب! سافر بنفسه من المدينة المنورة إلى القدس، قاطعًا مئات الأميال.

لم يأتِ بموكب الملوك والفاتحين المتغطرسين، محاطًا بالحرس والجنود. بل جاء في رحلة تاريخية يفيض منها التواضع والزهد الذي أصبح أسطورة: يرافقه خادم واحد، يتناوبان على ركوب دابة واحدة، مرتديًا ثيابًا بسيطة مرقعة! حتى أن أهل القدس عندما خرجوا لاستقباله، لم يعرفوه للوهلة الأولى من شدة بساطته، وظنوا أن الخادم هو الخليفة!

العهدة العمرية: دستور التعايش الخالد

عندما وصل عمر، لم يدخل المدينة دخول الفاتح المنتقم، بل دخلها دخول الأمين المؤتمن. وهناك، بدلًا من فرض شروط استسلام مذلة أو استعراض القوة، كتب لأهل القدس (أهل إيلياء) وثيقة أمان تاريخية لا تزال تُعرف إلى يومنا هذا بـ "العهدة العمرية".

ماذا جاء في هذه الوثيقة المذهلة التي تعتبر دستورًا للتعايش الديني وحقوق الأقليات؟

"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم،ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم... ...وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين..."

توقف هنا وتأمل عمق هذه الضمانات المعطاة في القرن السابع الميلادي، في ذروة النصر العسكري:

أمان شامل: على الأنفس والأموال.

حماية مطلقة لدور العبادة: الكنائس لا تُسكن (أي لا تُحتل أو تُستخدم لأغراض أخرى)، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها شيء.

حماية للرموز الدينية: "ولا من صليبهم".

حرية دينية كاملة ومطلقة: "ولا يُكرهون على دينهم".

أمان شخصي: "ولا يُضارّ أحد منهم".

ضمان أبدي: هذا ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل هو "عهد الله وذمة رسوله وذمة المؤمنين"، أي التزام ديني وأخلاقي دائم لا يسقط بتقادم الزمن.

لقد كانت هذه الوثيقة ضمانًا غير مسبوق في تاريخ الفتوحات لحرية العبادة وحقوق الأقليات الدينية، وشهادة عملية على صدق مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

ومن المهم أن نلاحظ أن 'العهدة العمرية' لم تكن مجرد وثيقة أمان مؤقتة، بل أصبحت مرجعًا قانونيًا ودستوريًا استمر العمل به لقرون لتنظيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في القدس. قارن هذا بما حدث في نفس المدينة عندما احتلها الصليبيون (الذين لم يعطوا أي عهد أمان بل أبادوا السكان) أو بما يحدث اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي حيث تُنتهك حرمة المساجد والكنائس وتُفرض القيود على المصلين، في تجاهل تام لأي عهود أو حتى قوانين دولية.

ذروة الحكمة: لماذا رفض عمر الصلاة في الكنيسة؟

لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. التطبيق العملي الفوري لهذا العهد كان أكثر إدهاشًا من النص نفسه. بينما كان عمر يتجول في المدينة، بصحبة بطريرك القدس صفرونيوس، ليتفقد أحوالها ويطمئن أهلها، حان وقت صلاة الظهر للمسلمين.

فالتفت البطريرك صفرونيوس بلباقة إلى عمر، ودعاه للصلاة داخل كنيسة القيامة نفسها، وهي أقدس موقع للمسيحيين في العالم! كانت بادرة حسن نية وتعايش مذهلة من البطريرك، تعبر عن ثقته في عدل الفاتح الجديد.

فماذا فعل عمر؟ هل قبل الدعوة وصلى في الكنيسة كرسالة للتسامح والتقارب؟ هنا تجلت الحكمة العميقة والبُعد الحضاري المدهش لعمر بن الخطاب. لقد رفض الصلاة داخل الكنيسة!

وعندما سأله البطريرك عن سبب رفضه لهذه البادرة الطيبة، أجابه عمر بكلماته الخالدة التي يجب أن تُكتب بماء الذهب، والتي تكشف عن فهم عميق لنفسية البشر وحرص لا مثيل له على الوفاء بالعهد ليس فقط في الحاضر بل وفي المستقبل البعيد:

"أخشى إن صليتُ فيها، أن يأتي المسلمون من بعدي ويقولون: هنا صلى عمر، فيبنون عليه مسجدًا، ويهدمون كنيستكم."

ثم خرج وصلى بمفرده على الدرج خارج الكنيسة. (المكان الذي بُني فيه لاحقًا "مسجد عمر" الصغير كعلامة على هذا الموقف التاريخي، وليس داخل الكنيسة).

الله أكبر! أي عظمة هذه؟ لم يكن عمر يحمي الكنيسة منهم في الحاضر فقط، بل كان يحميها من "حماس وحب" المسلمين أنفسهم له في المستقبل! لقد أدرك ببصيرته الثاقبة أن فعلته هذه، لو تمت بحسن نية اليوم، قد تُتخذ ذريعة من قبل أجيال لاحقة (قد تكون أقل ورعًا أو أكثر حماسًا) لتغيير وضع الكنيسة، فأراد أن يقطع الطريق على أي شبهة مستقبلية قد تنقض عهد الأمان الذي أعطاه.

إن حكمة عمر بن الخطاب في رفضه الصلاة داخل كنيسة القيامة تتجاوز مجرد الحفاظ على الكنيسة ماديًا. إنها تعكس فهمًا عميقًا لـ 'سيكولوجية الأتباع' وحرصًا على قطع ذرائع الفتنة المستقبلية.

إنه تطبيق عملي مدهش لمبدأ "الوفاء بالعهد"، لا كسياسة مؤقتة، بل كدين ومنهج حياة يمتد أثره ليحمي حقوق الآخرين حتى بعد مئات السنين.

قارن هذا الموقف الفريد بما حدث في أماكن أخرى عبر التاريخ (وما زال يحدث)، حيث كانت أماكن عبادة المهزومين تُحول قسرًا إلى أماكن عبادة للمنتصر مثل حويل مساجد الأندلس إلى كنائس بعد سقوطها)، أو تُهدم تمامًا لمحو آثار الماضي.

لقد أثبت الإسلام في القدس، كما في الحديبية، أن شرف الكلمة وقدسية العهد هما أساس بناء حضارة عادلة ومستدامة يمكن للجميع أن يعيشوا في ظلها بأمان وكرامة، مهما اختلفت أديانهم.

ولم تكن حماية عمر لكنائس القدس مجرد نص في وثيقة، بل أصبحت عرفًا راسخًا في التعامل مع أهل الذمة عبر التاريخ الإسلامي. فالمؤرخون يذكرون كيف أن الخلفاء والسلاطين المسلمين (مثل صلاح الدين لاحقًا، وحتى السلاطين العثمانيين) كانوا يؤكدون على هذه العهود ويجددونها، ويحمون حقوق المسيحيين في ممارسة شعائرهم وزيارة الأماكن المقدسة، حتى في أوقات التوتر السياسي أو الحروب مع أوروبا المسيحية. هذا الثبات على المبدأ هو ما ضمن بقاء الكنائس الشرقية وازدهارها لقرون تحت الحكم الإسلامي.

قارن هذا الثبات على عهد الأمان، الذي حمى كنيسة القيامة لقرون، بما نشهده اليوم من استباحة للمقدسات وانتهاك للعهود في نفس الأرض المباركة تحت سمع وبصر العالم، لتدرك أيّ هاوية أخلاقية وصلنا إليها عندما غابت شريعة السماء وحكمت شريعة المصالح.

16. حتى جسد العدو الميت له حرمة؟ لماذا حرّم الإسلام "التنكيل" بالجثث؟

في حرارة المعركة وبعد انتهائها، عندما تتأجج مشاعر الغضب والحقد والرغبة في الانتقام، غالبًا ما يتحول جسد العدو القتيل إلى هدف أخير لتفريغ هذه الشحنات."التنكيل" بالجثة أو "المُثلة" – أي تشويهها بقطع الأنف أو الأذن أو بقر البطن أو التمثيل بها بأي شكل – كان يُعتبر عبر التاريخ، ولا يزال للأسف في بعض الأحيان، وسيلة لـ:

إهانة العدو وتجريده من آخر بقايا كرامته.

تأكيد الانتصار الساحق وإرهاب الآخرين.

بل وأحيانًا كـ "تذكار" أو "جائزة حرب" بشعة!

إنه تعبير عن انحدار الإنسان إلى مستوى الوحشية المطلقة، حيث لا تعود هناك أي حرمة لجسد خلقه الله وكرمه.

لكن الإسلام، مرة أخرى، جاء ليضع حدًا فاصلاً ونهائيًا لهذا الانحدار الأخلاقي. لقد أعلن بشكل قاطع ومدهش: جسد الإنسان له حرمة في حياته وبعد مماته، حتى لو كان جسد عدوك الذي قُتل في المعركة.

"ولا تمثلوا": النهي النبوي الصارم

الوصية النبوية كانت واضحة وصارمة ضمن أوامره العسكرية الأساسية للجيوش:"...وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا (تسرقوا من الغنيمة)، وَلَا تُمَثِّلُوا..." [صحيح مسلم].

"لَا تُمَثِّلُوا" لا تشوهوا الجثث. نهي مطلق وبات، يشمل جثث الأعداء كما يشمل جثث المسلمين.
قد يقول قائل هذا كلام جميل في السلم، أو في الظروف العادية. لكن هل يمكن تطبيقه حقًا في لحظة الغليان، خاصة إذا كان العدو هو من بدأ بهذا الفعل الشنيع؟ أليس من العدل الرد بالمثل؟

هنا تأتي القصة المدهشة والمؤلمة التي لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت السبب المباشر لترسيخ هذا المبدأ كـ تشريع إلهي لا رجعة فيه، يرتقي فوق ردود الأفعال البشرية.

يوم أُحد: عندما تدخل الوحي ليرتقي برد الفعل البشري

المشهد معركة أُحد. ورغم البلاء العظيم الذي أصاب المسلمين، كانت الفاجعة الأكبر في نظر النبي صلى الله عليه وسلم هي استشهاد عمه وأخيه من الرضاعة، أسد الله، حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.

لكن المصيبة لم تتوقف عند القتل. لقد ارتكب جيش المشركين فعلًا وحشيًا: قاموا بتشويه جثث شهداء المسلمين، ومنهم حمزة، فبقروا بطنه وقطعوا أذنه وأنفه ومثلوا به أبشع تمثيل.

عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة ليتفقد الشهداء، ورأى هذا المشهد المروع بجسد عمه الحبيب... تألم ألمًا بشريًا لا يوصف. كان غضبه وحزنه عظيمين. وفي لحظة الألم والغضب الإنساني الطبيعي تلك، خرجت منه كلمة تعبر عن هذا الشعور (كما تروي بعض كتب السيرة والتاريخ): "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم".

لقد كان رد فعل بشريًا مفهومًا تمامًا أمام هول الفاجعة والوحشية التي رآها بعينه.ولكن، هل ترك الوحي النبي صلى الله عليه وسلم عند حدود رد الفعل البشري الطبيعي؟ هنا تجلت العظمة الإلهية، والتربية الربانية للقائد وللأمة.

نزل القرآن فورًا، ليس ليقر الانتقام بالمثل (فهذا سيفتح باب الجحيم)، بل ليرتقي بالنفس النبوية (وبالتالي بالأمة كلها) إلى مستوى أخلاقي أسمى، حتى في التعامل مع أبشع الجرائم:﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [سورة النحل: 126].

تأمل دقة التوجيه الرباني:

حد العدل: إن أردتم المعاقبة، فلكم فقط "بمثل" ما عوقبتم به (أي: قتل مقابل قتل)، ولكن ليس تشويه مقابل تشويه (فالتشويه بحد ذاته عدوان زائد ومحرم لذاته).

باب الفضل (وهو الأعلى): ثم يأتي الترغيب في ما هو أرقى وأسمى: "ولئن صبرتم (عن المعاقبة بالمثل أصلًا) فهو خير للصابرين".

أمام هذا التوجيه السماوي الفوري، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ لقد انتفض من ألمه وغضبه الإنساني إلى يقينه ورحمته النبوية. بكى وقال: "بل نصبر يا رب". ثم لم يكتفِ بالصبر، بل نهى نهيًا باتًا ومؤبدًا عن المثلة والتمثيل بالجثث، وأصبح هذا النهي تشريعًا خالدًا في الإسلام لا يُنسخ أبدًا.

لماذا هذا الموقف الحاسم؟

تكريم الإنسان (حتى بعد الموت): لأن جسد الإنسان هو خلقة الله التي كرمها ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. وهذه الحرمة لا تزول بالموت أو بالعداوة. التمثيل بالجثة هو اعتداء على صنعة الله وإهانة لكرامة فطرية.

قطع دائرة الانتقام: الانتقام بالمثل في التشويه يفتح بابًا لسباق نحو الوحشية. كل طرف سيحاول أن يكون أشد وحشية من الآخر. الإسلام جاء ليوقف هذه الدائرة الجهنمية، لا ليشارك فيها.

الحرب لها حدود حتى في أشد لحظات القتال، يجب أن تبقى هناك حدود إنسانية لا يتم تجاوزها، لتذكير المقاتل أنه "إنسان" يقاتل لغاية نبيلة، وليس مجرد "وحش" يفتك وينتقم.

المقارنة الصادمة: من "سيلفي الجثث" إلى سرقة الأعضاء

قارن هذا الموقف الإسلامي الفريد بما نراه عبر التاريخ وفي عالمنا اليوم:

"تذكارات الحرب" البشعة كم من الحضارات كانت تفتخر بجلب رؤوس الأعداء أو آذانهم أو أجزاء من أجسادهم كتذكارات نصر؟ (من الآشوريين القدماء، إلى ممارسات بعض الجنود في حروب أحدث مثل فيتنام وأفغانستان).

وفي الحرب العالمية الثانية، لم تكن هذه مجرد ممارسات فردية معزولة. فقد وثّق مؤرخون (مثل جون داور في كتابه "الحرب بلا رحمة") كيف أن بعض الجنود الأمريكيين في حرب المحيط الهادئ كانوا يقومون بجمع "تذكارات" من جثث الجنود اليابانيين تشمل أحيانًا جماجم أو أسنانًا ذهبية أو آذانًا! بل ووصل الأمر إلى حد إرسال بعض هذه "التذكارات" البشعة إلى الأهل في الوطن كهدايا! ورغم أن القيادة العسكرية حاولت رسميًا منع هذه الممارسات لاحقًا، إلا أن انتشارها كان يعكس تجردًا مروعًا من الإنسانية ونظرة دونية عنصرية تجاه العدو، وهو ما يتناقض كليًا مع الحرمة التي أوجبها الإسلام لجسد الميت أيًا كان.

وهذه الممارسات لم تكن جديدة على التاريخ الأمريكي. ففي الحروب ضد السكان الأصليين (الهنود الحمر) خلال القرن التاسع عشر، كان سلخ فروات رؤوسهم (Scalping) ممارسة شائعة، بل وكانت تُقدم مكافآت مالية أحيانًا مقابل هذه الفروات كدليل على القتل! لقد تم التعامل مع أجسادهم بعد الموت بنفس الوحشية التي تم التعامل بها مع حياتهم، كجزء من سياسة الإبادة والتطهير العرقي التي هدفت إلى إخلائهم من أراضيهم. إن تحويل جزء من جسد العدو المقتول إلى "غنيمة" أو "دليل إثبات" يعكس انعدامًا كاملاً لأي شعور بحرمة الجسد الإنساني.

التصوير والإهانة (الوحشية الرقمية): في العصر الرقمي، أصبحنا نرى للأسف جنودًا يلتقطون "صور سيلفي" مبتسمين مع جثث مقاتلي العدو بل وحتى المدنيين، أو يبثون مقاطع فيديو مهينة للتنكيل بالجثث أو إهانتها، في استعراض مقزز للوحشية يتناقض مع أبسط القيم الإنسانية.

عدم احترام رفات الموتى: حتى "اتفاقيات جنيف" (التي تدعو لاحترام جثامين الموتى وتسهيل إعادتها)، غالبًا ما تُنتهك في هذا الجانب. يتم أحيانًا احتجاز رفات المقاتلين كورقة مساومة سياسية، أو دفنهم في مقابر جماعية مجهولة ("مقابر الأرقام")، أو التعامل معهم بلا أي اكتراث أو احترام.

ما شهدناه في غزة (ذروة الانحطاط): لقد وثقت تقارير عديدة، وتحدث شهود عيان، بل وشوهد خلال عمليات تبادل الأسرى وتسليم الجثامين، كيف تعامل جيش الاحتلال الإسرائيلي مع جثث الشهداء الفلسطينيين.

تحدثت التقارير عن حالات تنكيل وتشويه متعمد للجثث.

عن سرقة أعضاء منها [بحسب شهادات ومصادر طبية فلسطينية ودولية موثوقة مثل المرصد الأورومتوسطي].

عن دفنها في مقابر جماعية مهينة أو حتى استخدام الجرافات لسحقها وتجريف المقابر. هذه الممارسات، التي تنتهك أبسط قواعد الإنسانية والقانون الدولي، تمثل تطبيقًا عمليًا مروعًا للوحشية التي جاء الإسلام ليحرمها تحريمًا قاطعًا قبل 1400 عام.

لقد وضع الإسلام، بناءً على تجربة مؤلمة تحولت إلى تشريع سماوي، حرمة مطلقة لجسد العدو الميت. منع التمثيل به منعًا باتًا، حتى لو كان العدو هو البادئ. إنه مستوى مدهش من السمو الأخلاقي وضبط النفس، يهدف للحفاظ على إنسانية الإنسان حتى في أحلك لحظات الصراع.

17. "اذهبوا فأنتم الطلقاء": أعظم لحظة عفو في التاريخ بعد 20 عامًا من الأذى!

تاريخ البشرية مليء بقصص الانتصارات العسكرية. وعادةً ما تكون لحظة دخول المنتصر إلى مدينة عدوه المهزوم هي لحظة الحساب الأخير. لحظة الانتقام وسفك الدماء وتصفية الحسابات القديمة.

إنه المشهد المتكرر للغزاة عبر العصور: مذابح جماعية للمقاتلين والمدنيين، تطهير عرقي أو ديني، استرقاق للنساء والأطفال، نهب للممتلكات، ومحو لآثار المهزومين وهويتهم. هذا هو منطق "عدالة المنتصر" السائد غالبًا: سحق المهزوم ومحو وجوده لضمان عدم عودته.

مرارة "عدالة المنتصر" في التاريخ الإسلامي

ولقد ذاق المسلمون أنفسهم مرارة هذا الكأس مرارًا عبر التاريخ:

سقوط الأندلس: لم يُعفَ عن أهلها المسلمين (ولا اليهود). بل واجهوا محاكم التفتيش الوحشية، والإجبار على التنصير (الموريسكيون)، ثم الطرد الجماعي من وطنهم الذي عاشوا فيه لثمانية قرون.

الغزو الصليبي الأول للقدس (1099م): لم يفرق الصليبيون بين مقاتل ومدني، بل حولوا أزقة المدينة المقدسة إلى أنهار من دماء سكانها المسلمين واليهود، في مذبحة وصفها مؤرخوهم أنفسهم بأنها مروعة حيث تروي كتب التاريخ أن الصليبيين قد قتلوا 100 ألف من المسلمين واليهود حين دخلوا إلى القدس وكانوا كل سكان القدس حينئذ.

الغزو المغولي لبغداد (1258م) واحدة من أبشع مجازر التاريخ، قال ابن تغري بردي إن قتلى المسلمين في بغداد حين دخلها التتار تراوحوا بين مليون وثمانمائة ألف إلى 2 مليون استمر القتل فيهم 40 يوما ، وأُلقيت كتب مكتبة بغداد العظيمة في نهر دجلة حتى اسودّ ماؤه، في محاولة لمحو ذاكرة حضارة بأكملها.

وفي أوروبا نفسها، لم تكن حروبهم أقل وحشية في لحظة النصر. لنذكر فقط "نهب روما" عام 1527م على يد جيوش الإمبراطور الروماني المقدس شارل الخامس (التي كانت تضم مرتزقة ألمان وإسبان). لقد تعرضت عاصمة العالم الكاثوليكي آنذاك لعمليات سلب وقتل واغتصاب وتدمير استمرت لأشهر، لم يسلم منها حتى الكرادلة والراهبات، ودُنست فيها الكنائس بشكل مروع. لقد كانت صدمة هائلة للعالم المسيحي نفسه، وأظهرت كيف يمكن للجشع والتعصب أن يمحو أي حرمة دينية أو إنسانية في لحظة الانتصار العسكري، حتى بين أتباع الدين الواحد.

العصر الحديث شهدنا النكبة الفلسطينية (1948) وما تلاها، حيث أُجبر مئات الآلاف على ترك ديارهم بالقوة والمذابح (مثل دير ياسين) ولم يُسمح لهم بالعودة أبدًا. وشهدنا مذابح مروعة بحق المسلمين في البوسنة (مثل سربرنيتسا) وغيرها.

هذا هو منطق "عدالة المنتصر" السائد غالبًا: سحق المهزوم ومحو وجوده.

فتح مكة: لحظة قلب الموازين الأخلاقية

والآن... عد بذاكرتك إلى مكة، عام 8 هجري. النبي محمد صلى الله عليه وسلم يعود إلى المدينة التي:

طردته.

عذبت أصحابه أشد العذاب.

صادرت أموالهم وبيوتهم.

حاربته وقتلت أحباءه (مثل عمه حمزة) لأكثر من عشرين عامًا.

يعود إليها اليوم منتصرًا على رأس جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل. أعداؤه اللدودون، قادة قريش الذين تزعموا كل حرب ضده وكل مؤامرة لقتله، أصبحوا الآن أمامه، في قبضته، لا يملكون حولاً ولا قوة.

ماذا يتوقعون؟ بالتأكيد، يتوقعون تطبيق نفس المنطق الذي عرفوه ومارسوه. يتوقعون "يوم الملحمة"، يوم الانتقام لسنوات الظلم الطويلة. يتوقعون السيف والدم.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ ليكرر مآسي التاريخ. لقد جاء ليصنع تاريخًا جديدًا.

بعد أن طهّر الكعبة من الأصنام في مشهد مهيب، جمع أهل مكة حوله. وقفوا مطأطئي الرؤوس، ينتظرون القصاص المحتوم.

فنظر إليهم وسألهم سؤاله التاريخي الذي حبس الأنفاس:«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ (تظنون) أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»

في تلك اللحظة العصيبة، لم يكن أمامهم إلا استحضار ما يعرفونه عن كرم أصله ونبل أخلاقه حتى قبل النبوة، فقالوا برجاء وخوف:"خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ."

(ثم تأتي الكلمة المدهشة التي قلبت كل التوقعات، ونسفت منطق الانتقام من جذوره...)

فنظر إليهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وقال لهم الكلمة التي لم يكن لها مكان في قاموس الفاتحين عبر العصور، الكلمة التي أسست لحضارة جديدة:«اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».

"الطلقاء"! ليسوا أسرى يُستعبدون. ليسوا عبيدًا يُباعون. ليسوا منفيين يُطردون. ليسوا سجناء ينتظرون المحاكمة.

بل أحرار تمامًا! عفوٌ عام وشامل يمحو عقدين من العداوة والدماء والظلم بكلمة واحدة!

عفوٌ عام وشامل يمحو عقدين من العداوة والدماء والظلم بكلمة واحدة! وهذا الموقف بلغ من السمو حدًا جعل المستشرق الفرنسي لوي سيديو يصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كانت غاية في الكمال، مستشهدًا بهذا الموقف بالذات ضمن أمثلة أخرى: "وأما أخلاقه وأفعاله فكانت غاية في الكمال؛ منها عفوه عن ألدّ أعدائه بعد فتح مكة...".

شهادة تؤكد أن هذا العفو لم يكن مجرد تصرف سياسي، بل تجلٍ لكمال أخلاقي فريد لاحظه حتى المراقبون من الخارج.

تنبيه: قد يُظن أن الرحمة المطلقة قد تتعارض مع ضرورات الأمن ومنع العدو من العودة للإضرار بالمسلمين. لكن الإسلام وازن بين الأمرين بحكمة. فبينما كان العفو هو الأصل (كما في فتح مكة)، كانت هناك حالات استثنائية قليلة جدًا حُكم فيها بالقتل على بعض قادة الحرب الذين تجاوزوا كل الحدود في الخيانة والغدر والتحريض المستمر (مثل كعب بن الأشرف أو بعض أسرى بدر الذين كانوا من كبار المحرضين). هذا الاستثناء المحدود جدًا يؤكد القاعدة العامة (العفو والرحمة)، ويبين أن للدولة المسلمة الحق في اتخاذ إجراءات حازمة ضد من يشكلون خطرًا وجوديًا مستمرًا لا يمكن دفعه إلا بذلك، ولكن بضوابط صارمة وليس كقاعدة عامة.

لماذا كانت هذه "معجزة أخلاقية"؟

هل تدرك حجم "دهشة" هذا الموقف في سياقه التاريخي والبشري؟

عفوٌ عند تمام القدرة: لم يكن ضعيفًا ليضطر للمساومة أو العفو. بل كان في قمة قوته العسكرية والسياسية. كان قادرًا على الانتقام، لكنه اختار ألا يفعل.

كسرٌ لمنطق الثأر القبلي: في بيئة قبلية كان الثأر فيها دينًا مقدسًا، جاء ليُعلي قيمة العفو والرحمة فوق كل اعتبار، حتى عن ألد الأعداء.

إعادة دمج فورية لا إقصاء: لم يعزلهم أو يهمشهم أو يعاملهم كمواطنين درجة ثانية. بل أعادهم فورًا إلى نسيج المجتمع كمواطنين لهم كامل الحقوق (وحتى قادة قريش دخلوا في الإسلام لاحقًا وشاركوا في الفتوحات).

فتحٌ للقلوب لا للأرض فقط: هذا العفو المذهل كان له أثر السحر. لقد هزّ قلوب أهل مكة ودفع معظمهم للدخول في الإسلام عن قناعة وحب، لا عن خوف أو إكراه. لقد أثبت لهم عمليًا أن هذا الدين هو دين الرحمة حقًا.

عندما تضع هذا العفو النبوي الشامل بجانب مشاهد محاكم التفتيش في الأندلس، ومذابح الصليبيين في القدس، وجرائم المغول في بغداد، ومآسي النكبة في فلسطين، وجرائم التطهير العرقي في البوسنة... تدرك أن ما حدث في فتح مكة لم يكن مجرد "سياسة حكيمة"، بل كان "معجزة أخلاقية" بكل المقاييس.

لقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم للعالم درسًا مدهشًا: أن النصر الحقيقي ليس في سحق عدوك، بل في السمو فوق الرغبة في الانتقام. وأن بناء المستقبل يبدأ بقطع حبال الماضي الأليم، لا بالانغماس في ثاراته.

إن أثر الرحمة والعفو الإسلامي لم يكن مقتصرًا على الجانب الأخلاقي، بل كان له أثر نفسي عميق وتحويلي على الأعداء أنفسهم. قصة إسلام صفوان بن أمية، وهو من أشد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم الذي فرّ بعد فتح مكة خوفًا من القتل، ثم عاد وطلب الأمان فأعطاه النبي أمانًا وزاده مهلة ليفكر، ثم أسلم عن قناعة قائلاً: 'ما طابت نفسي بهذا إلا نفس نبي'، هي مثال على كيف يمكن للعفو عند المقدرة أن يفتح القلوب المغلقة ويحول العدو اللدود إلى نصير مخلص

هذا لم يكن النبي فقط، بل هو "منهج الفاتحين" المسلمين

وهنا قد يقول قائل: "ربما كان هذا العفو خاصًا بشخصية النبي محمد الفريدة ورحمته الاستثنائية، ولا يمكن تعميمه على بقية المسلمين أو قادتهم."

وهذا هو الخطأ الشائع. إن ما حدث في فتح مكة لم يكن مجرد موقف شخصي عابر، بل كان تأسيسًا لمنهج أخلاقي أصبح سنة متبعة لدى القادة المسلمين الصالحين الذين فهموا روح الإسلام الحقيقية. لقد رأوا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم تطبيقًا عمليًا لقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85] و ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

لنأخذ أمثلة تاريخية دامغة:

1. عمرو بن العاص في مصر (تكملة لما سبق): عندما دخل عمرو بن العاص مصر فاتحًا، أمّن الجميع على أرواحهم وأموالهم. ولم يكتفِ بذلك، بل بحث عن البطريرك القبطي بنيامين الذي كان هاربًا منهم لمدة 13 عامًا، وأعاده مُكرّمًا إلى كرسيه، ضامنًا الحرية الدينية الكاملة للمسيحيين.

2. صلاح الدين الأيوبي في القدس (1187م): الموقف الذي أذهل أوروبا: عندما استعاد صلاح الدين القدس من الصليبيين بعد 88 عامًا من الاحتلال الدموي والمذابح المروعة التي ارتكبوها عند دخولهم الأول (والتي يصفها مؤرخوهم أنفسهم بالوحشية)، ماذا فعل؟

هل انتقم منهم بالمثل؟ أبدًا!

هل قتل الأسرى أو المدنيين الصليبيين؟ لا! بل أمّنهم جميعًا على حياتهم.

هل سمح لهم بالخروج؟ نعم، سمح لكل من أراد الخروج بأن يخرج آمنًا مقابل فدية رمزية جدًا.

وماذا عن الفقراء الذين لم يستطيعوا دفع الفدية؟ لقد عفا صلاح الدين عن الآلاف منهم (خاصة النساء والأطفال والشيوخ)، بل ودفع الفدية عن بعضهم من ماله الخاص!

وماذا عن الكنائس؟ لم يمس كنيسة القيامة، أقدس موقع للمسيحيين، بأي سوء، بل ضمن لهم حرية ممارسة شعائرهم فيها (بعد أن منعهم الصليبيون الآخرون من الأرثوذكس من دخولها!).

لقد كان موقف صلاح الدين صدمة حضارية لأوروبا في ذلك الوقت. لقد أظهر لهم عمليًا كيف تكون أخلاق الفاتح المسلم الملتزم بدينه، مقارنة بوحشية قادتهم وجيوشهم. إن عفوه ورحمته في القدس لا يزال يُذكر إلى اليوم كنموذج للفروسية والنبل حتى في كتابات المؤرخين الغربيين.

إن المقارنة بين سلوك صلاح الدين الرحيم وسلوك الصليبيين الوحشي عند احتلالهم للمدينة قبل أقل من قرن، تكفي لإظهار أيُّ الحضارتين كانت أرقى أخلاقيًا في ذلك العصر.

تقول المستشرقة الألمانية المعروفة زيجريد هونكه: "حين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرداد بيت المقدس (583هـ / 1187م) -التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبل (492هـ / 1099م) بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحة لا تدانيها مذبحة وحشية وقسوة- فإنه لم يسفك دم سكانها من النصارى انتقاما لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءته، وأسبغ عليهم من جوده ورحمته، ضاربا المثل في التخلق بروح الفروسية العالية، وعلى العكس من المسلمين، لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزام خلقي تجاه كلمة الشرف أو الأسرى".

المصدر زيجريد هونكه، الله ليس كذلك، ترجمة د. غريب محمد غريب، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 1996م)، ص34.

ويقول الكولونيل البريطاني الذي اتجه في نهاية عمره لدراسة الإسلام وتأثر بالمسلمين وأعجب بأسلوب حياتهم وقيمهم، يقول واصفا هذا المشهد: "لما غزا الصليبيون الأرض المقدسة سنة (1099م)، خلفوا وراءهم في كل مكان الموت والدمار، بيد أنه لما رد صلاح الدين الصليبيين على أعقابهم، لم يلجأ إلى وسائل الانتقام، ولم يخرب المسلمون الأماكن التي فتحوها، كما فعل المقاتلون الدينيون السابقون لهم من الممالك الأخرى، فأينما وضعوا أرجلهم نشأ شيء جديد أسمى وأفضل مما كان قبلا".

المصدر رونالد ف بودلي، الرسول: حياة محمد، ترجمة محمد محمد فرج وعبد الحميد جودة السحار، (القاهرة: مكتبة مصر، بدون تاريخ)، ص147.

الخلاصة:

إن هذه الأمثلة (وغيرها كثير في التاريخ الإسلامي) تثبت أن العفو عند المقدرة والرحمة بالمهزوم لم تكن مجرد "لفتة نبوية" فريدة، بل كانت "مبدأ إسلاميًا عامًا" ومنهجًا متبعًا ورثه القادة الصالحون عن نبيهم صلى الله عليه وسلم.

لقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم للعالم درسًا مدهشًا في فتح مكة: أن النصر الحقيقي ليس في سحق عدوك، بل في السمو فوق الرغبة في الانتقام. وأن بناء المستقبل يبدأ بقطع حبال الماضي الأليم.

وإن كلمة "اذهبوا فأنتم الطلقاء" تظل صرخة مدوية في وجه كل الطغاة والمنتقمين عبر العصور، وشاهدًا أبديًا على أن الإسلام جاء ليرفع الإنسان فوق غرائزه الدنيا، ويبني حضارة قوامها الرحمة والعفو... حتى في أوج النصر.

18. أبعد من البشر: هل تعلم أن رحمة الإسلام شملت الحيوان والنبات وحتى الجماد؟

عندما نتحدث عن "الأخلاق" أو "الرحمة"، غالبًا ما ينصرف ذهننا بشكل تلقائي إلى كيفية تعامل البشر مع بعضهم البعض. قليل جدًا من الأنظمة الفلسفية أو الدينية أولت اهتمامًا جادًا ومنهجيًا لحقوق أو مكانة الكائنات غير البشرية في منظومتها الأخلاقية.

لكن الإسلام، وبشكل مدهش ومتفرد، وسّع دائرة الرحمة لتشمل كل ما في الكون! لم تتوقف عند الإنسان (حتى لو كان عدوًا أسيرًا)، بل امتدت لتشمل:

الحيوان: بكل أنواعه، الأليف والبري.

النبات: الشجرة والزرع والكلأ.

بل وحتى ما نعتبره "جمادًا" لا روح فيه كالجبال والأحجار!

هل يبدو هذا غريبًا أو مبالغًا فيه؟ استعد لتسمع عن تشريعات ومواقف نبوية تكشف عن رؤية كونية فريدة ترى كل شيء كخلقٍ لله يستحق الاحترام والرعاية والرحمة، وأن الإنسان ليس "سيدًا" متسلطًا على الكون، بل "خليفة" مؤتمن عليه.

أولاً: رحمة مدهشة بالحيوان (من النار إلى الجنة بسبب حيوان!)

لقد وضع الإسلام للحيوان حقوقًا لم تعرفها البشرية إلا مؤخرًا (نظريًا على الأقل)، وربط الإحسان إليه أو الإساءة له بالجنة والنار!

عقوبة قاسية لقسوة بسيطة (الإهمال): هل تتخيل أن امرأة قد تدخل النار بسبب قطة؟ ليس بسبب قتلها عمدًا، بل لمجرد حبسها وإهمالها! قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" [متفق عليه]. مجرد إهمال لحيوان صغير يؤدي إلى النار! أي مستوى من المسؤولية يضعه الإسلام على عاتق الإنسان تجاه المخلوقات التي تحت رعايته؟

مغفرة عظيمة لرحمة عابرة (الإحسان): وفي المقابل تمامًا، هل تتخيل أن امرأة بغيًا (ترتكب فاحشة الزنا) قد تُغفر لها ذنوبها وتدخل الجنة بسبب كلب؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ (بئر) كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا (خفها) فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" [متفق عليه]. سبحان الله! رحمة بكلب عطشان تمحو ذنوبًا عظيمة وتفتح أبواب الجنة!

"الإحسان" حتى عند الذبح الضروري: الإسلام لم يحرّم أكل لحوم بعض الحيوانات للحاجة البشرية، لكنه وضع لها آدابًا مدهشة تضمن أقل قدر ممكن من الألم والمعاناة للذبيحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ (سكينه)، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" [صحيح مسلم]. كلمتان تلخصان المنهج: "الإحسان" و "إراحة الذبيحة"! قارن هذا بمشاهد القسوة المروعة التي نراها أحيانًا في المسالخ الصناعية الحديثة، أو حتى بالصيد لمجرد اللهو والتسلية (لا للحاجة) الذي حرمه الإسلام.

حقوق أخرى للحيوان: نهى الإسلام عن تحميل الدواب فوق طاقتها، وعن ضربها بقسوة (خاصة على الوجه)، وعن اتخاذها هدفًا حيًا للرمي (كالتدريب أو التسلية)، وعن التفريق بين الطائر وصغاره (فزع الأم على فراخها)، وعن حرق قرى النمل بالنار! كل هذا يندرج تحت القاعدة العامة: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" [متفق عليه]. أي أن الإحسان لأي كائن حي فيه روح هو عمل تؤجر عليه عند الله.

ويُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على قوم نصبوا دجاجة حية يرمونها بالنبال للتسلية، فغضب وقال: 'لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا' (رواه مسلم). هذا الحديث لا ينهى فقط عن القسوة، بل يلعن فاعلها، مما يدل على أن إيذاء الحيوان لمجرد اللهو هو كبيرة من الكبائر في الإسلام، وليس مجرد فعل مكروه.

المقارنة الصادمة: الحيوان في زمن الحرب والاحتلال

والآن، قارن هذه الرحمة العميقة بما نراه ونسمعه:

غزة (مثال معاصر ومؤلم) لقد رأينا بأعيننا مقاطع فيديو وصورًا مروعة لجنود الاحتلال الإسرائيلي وهم يتسلون بقتل الحيوانات الأليفة (القطط والكلاب) في منازل الفلسطينيين المهجورة، أو يطلقون النار على الأغنام والمواشي في المزارع دون أي سبب عسكري، فقط للتسلية أو الانتقام أو بث الرعب. لقد تعاملوا مع هذه الأرواح وكأنها لا شيء، مجرد أهداف متحركة لتدريبهم على القتل! بل ووصل الأمر إلى قصف حدائق الحيوان عمدًا، مما أدى لموت الحيوانات جوعًا أو تحت القصف.
الحروب الحديثة بشكل عام غالبًا ما تكون الحيوانات (الأليفة أو البرية أو المواشي) هي الضحية المنسية في الحروب. تُقتل بالقصف العشوائي، تموت جوعًا وعطشًا بعد نزوح أصحابها، تُستخدم أحيانًا في التجارب العسكرية (مثل استخدام الكلاب في كشف الألغام)، أو تُقتل بشكل متعمد ضمن سياسات "الأرض المحروقة" لتدمير مصادر غذاء العدو.

بل إن "الحضارة الحديثة" لم تكتفِ بقتل الحيوانات كضرر جانبي للحرب، بل استخدمتها بشكل ممنهج كـ"أدوات" في تجاربها العلمية والعسكرية القاسية. كم من ملايين الحيوانات (من الفئران والأرانب إلى الكلاب والقرود) تُستخدم سنويًا في المختبرات لاختبار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أو لقياس آثار الإشعاع، أو لتدريب الأطباء العسكريين على علاج إصابات الحروب؟ غالبًا ما تتعرض هذه الحيوانات لآلام مبرحة ومعاناة شديدة تنتهي بالموت، وكل ذلك باسم "التقدم العلمي" أو "الأمن القومي". إنها نظرة أداتية ترى الحيوان مجرد "مادة خام" للتجارب، وتُسقط عنه أي قيمة ذاتية أو حق في الحياة الكريمة، وهو ما يتناقض تمامًا مع النظرة الإسلامية التي ترى في كل ذي كبد رطبة أجرًا وتحرم إيذاءه لغير ضرورة مشروعة.

تاريخيًا (الرومان وغيرهم): كانت "ألعاب السيرك" الرومانية تتضمن مصارعات وحشية بين الحيوانات (مثل الأسود والنمور) أو بين الحيوانات والبشر (المجالدون)، وكانت هذه الحيوانات تُجلب من المستعمرات وتُقتل بالمئات أو الآلاف في يوم واحد فقط لإمتاع الجمهور المتعطش للدماء! لم تكن هناك أي قيمة لحياة الحيوان في حد ذاتها.

وحتى في العصور الحديثة، نرى استمرارية لهذا الاستهتار بحياة الحيوان في بعض الممارسات الثقافية الغربية التي تُقدم على أنها "رياضة" أو "تراث". فـ"مصارعة الثيران" في إسبانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، والتي تنتهي دائمًا بقتل الثور بعد تعذيبه وإضعافه بشكل وحشي أمام جمهور مبتهج، تُعتبر "فنًا" و"تقليدًا ثقافيًا" يجب الحفاظ عليه، رغم الاحتجاجات المتزايدة ضد قسوتها! وكذلك "صيد الثعالب" في بريطانيا (قبل حظره جزئيًا)، حيث كانت مجموعات من الفرسان وكلاب الصيد تطارد ثعلبًا وحيدًا حتى الإنهاك ثم تمزقه الكلاب إربًا، كان يُعتبر "رياضة نبيلة"! إن وجود مثل هذه الممارسات المتجذرة يكشف عن بقايا نظرة ترى الحيوان مجرد أداة للمتعة البشرية، حتى لو تطلب ذلك تعذيبه وقتله بطرق بشعة.

عندما تقارن مشهد المرأة التي تدخل الجنة بسبب كلب، بمشهد الجندي الذي يضحك وهو يقتل قطة بريئة... تدرك حجم الفجوة الأخلاقية.

ثانيًا: عناية مدهشة بالنبات (الشجرة كائن حي له حق!)

لم تتوقف الرحمة عند الحيوان، بل امتدت لتشمل النباتات والأشجار.

لا تقطعوها حتى في الحرب: كما رأينا سابقًا في وصية أبي بكر، وصلت الرحمة في الحرب إلى حد النهي الصريح عن قطع الأشجار المثمرة أو حرق النخيل. لماذا؟ لأنها مصدر حياة وغذاء، وتدميرها هو إفساد في الأرض لا يرضاه الله. ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].

زراعتها عبادة وصدقة جارية: لم يكتفِ الإسلام بحماية الموجود، بل حثّ بشكل مدهش على الزراعة وتعمير الأرض بالنبات، وجعلها صدقة جارية حتى بعد موت الزارع! قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" [متفق عليه]. بل وصلت الحث على الزراعة إلى درجة تكاد تكون خيالية في التأكيد على أهميتها حتى آخر لحظة في عمر الدنيا: "إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ (نخلة صغيرة)، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا" [رواه أحمد وصححه الألباني]. حتى لو كانت القيامة ستقوم الآن، اغرسها! رسالة أبلغ من أي حملة تشجير حديثة عن قيمة إعمار الأرض بالنبات حتى آخر نفس.

المقارنة الصادمة: "الحرب البيئية" ضد الأشجار والأرض

قارن هذا الحرص المدهش على الشجرة بما فعله ويفعله البشر:

"العامل البرتقالي" في فيتنام قامت الولايات المتحدة برش ملايين اللترات من مبيدات الأعشاب السامة (وأشهرها العامل البرتقالي Agent Orange) فوق غابات فيتنام خلال الحرب. الهدف؟ إزالة الغطاء النباتي الذي كان يختبئ فيه المقاتلون الفيتناميون. النتيجة؟ تدمير ملايين الهكتارات من الغابات والمحاصيل، وتلوث بيئي كارثي لا تزال آثاره الصحية (سرطانات وتشوهات) تظهر على السكان والجنود حتى اليوم. لقد كانت "حربًا كيميائية" ضد الأشجار بكل معنى الكلمة.

تجريف الأراضي الزراعية في فلسطين: يمارس الاحتلال الإسرائيلي سياسة ممنهجة لتجريف الأراضي الزراعية الفلسطينية واقتلاع أشجار الزيتون (التي تمثل رمزًا للصمود الفلسطيني ومصدر رزق أساسي). يتم ذلك إما لبناء المستوطنات، أو شق الطرق العسكرية، أو كـ "عقاب جماعي". لقد تم اقتلاع مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، من أشجار الزيتون المعمرة عبر عقود الاحتلال. إنها حرب واضحة ضد الشجرة والأرض والهوية.

تدمير الغابات في حروب أخرى: كثيرًا ما تُستخدم الغابات كمناطق عمليات عسكرية، مما يؤدي إلى تدميرها بالحرائق أو القصف أو قطع الأشجار لأغراض عسكرية، دون أي اعتبار لقيمتها البيئية أو الاقتصادية للسكان المحليين (كما حدث في حروب أفريقيا وأمريكا اللاتينية).

عندما يأمر الإسلام بغرس النخلة حتى لو قامت الساعة، بينما تقوم "الحضارة الحديثة" بإبادة غابات بأكملها بمواد كيميائية... ندرك مرة أخرى من الذي يحترم خليقة الله حقًا.

ثالثًا: علاقة مدهشة بالجماد (حتى الجبال لها مشاعر؟!)

وهنا نصل إلى المستوى الأكثر إدهاشًا والذي قد يبدو غير مفهوم للمادية الحديثة التي ترى الكون مجرد "موارد" للاستغلال. الإسلام، برؤيته الروحية العميقة للكون، لم يرَ "الجمادات" مجرد أشياء صماء لا قيمة لها، بل رأى فيها خلقًا لله يُسبّح بحمده بطريقته الخاصة التي لا نفقهها:﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].

ومن هذا المنطلق، نشأت علاقة فريدة بين المؤمن وبين مكونات الكون من حوله:

جبل أُحد يحب ويُحَب!: لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم عن جبل أُحد (الذي شهد المعركة الشهيرة) إنه مجرد كومة حجارة صماء، بل قال عنه كلامًا يفيض بالمشاعر المتبادلة: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" [متفق عليه]. أي رؤية هذه التي ترى في الجبل كائنًا له مشاعر متبادلة مع المؤمنين؟! إنها رؤية ترى الكون كله متفاعلاً مع خالقه ومع عباده الصالحين.

جذع النخلة الذي بكى شوقًا!: قصة شهيرة ومؤثرة رواها البخاري وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة مستندًا إلى جذع نخلة في المسجد. فلما صُنع له منبر جديد وترك الجذع وصعد المنبر، سمع الصحابة للجذع صوت أنين وبكاء كأنين الطفل! فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من منبره، وذهب إلى الجذع وضمه إليه ومسح عليه حتى سكن وهدأ، ثم قال: "لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة". جذع شجرة يشتاق ويحنّ ويبكي لفراق النبي! والنبي يتعامل معه برحمة وحنان كأنه كائن حي ذو مشاعر!

المقارنة الصادمة: تدمير التراث والحجر

قارن هذه النظرة الروحية للحجر والشجر بما نراه من استهتار يصل حد التدمير المتعمد للتراث الإنساني والطبيعي:

القصف العشوائي للمدن التاريخية: الحروب الحديثة (مثل الحرب العالمية الثانية، وحروب البلقان، والحرب في سوريا والعراق واليمن) لم تتردد في قصف مدن تاريخية بأكملها، مما أدى إلى تدمير مبانٍ أثرية ومواقع تراثية لا يمكن تعويضها، فقط لتحقيق أهداف عسكرية.

الاستغلال الجائر للطبيعة حتى خارج سياق الحرب، نرى كيف تقوم الشركات الكبرى بتدمير جبال بأكملها (لتعدين الفحم مثلاً)، أو تجفيف الأنهار، أو تلويث البحار، في استغلال جشع للطبيعة لا يرى في "الجماد" إلا "مادة خام" للربح، دون أي احترام لقدسية الخلق.

عندما يرى الإسلام في الجبل "صديقًا محبًا"، بينما ترى المادية الحديثة فيه مجرد "منجم فحم"... ندرك البون الشاسع في النظرة إلى الكون.

الخلاصة: من "الاستغلال" إلى "الاستخلاف"

ماذا تعني كل هذه الأمثلة المدهشة؟ إنها تعني أن الرحمة في الإسلام ليست مجرد "قانون" لحماية حقوق البشر، بل هي "رؤية كونية" شاملة ترى كل ما في الوجود كخلق لله يستحق الاحترام والرعاية والرحمة. إنها دعوة للإنسان ليتصالح مع بيئته، ويتعامل معها لا كـ "مُستغِل" جشع ينهب ويدمر، بل كـ "مؤتمن" مسؤول و "خليفة" رحيم استخلفه الله في الأرض ليعمرها لا ليفسد فيها.

في عالم يعاني اليوم من أزمات بيئية خانقة (تغير مناخي، انقراض أنواع، تلوث) نتيجة الجشع والاستغلال المفرط للطبيعة، وفي عالم لا يزال يشهد قسوة مروعة ضد الحيوانات... تقدم هذه التعاليم الإسلامية المدهشة رؤية بديلة ومنقذة. رؤية تؤكد أن الرسالة لم تكن فقط ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (بمعنى البشر)، بل رحمة بكل العوالم التي خلقها الله.

19. غزة كشفتهم جميعًا: لماذا يبقى الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟

لقد كانت رحلتنا عبر أخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام كاشفة ومثيرة للتفكير. رأينا كيف سبق هذا الدين العالم بقرون في وضع ضوابط إنسانية للحرب، من الدعوة للسلام أولاً كقاعدة، إلى التمييز الصارم بين المقاتل والمدني، إلى حماية الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان، مرورًا بحماية الأشجار والمياه والحيوانات، وصولًا إلى إكرام الأسير وتحريم التعذيب وحرمة الجثث، وانتهاءً بالعفو عند المقدرة والوفاء بالعهود.

لكن قد يقول قائل: هذا كله جميل نظريًا، أو ربما كان صالحًا لزمن مضى ببساطته. هل له مكان حقًا في عالمنا المعقد اليوم، بحروبه التكنولوجية ومصالحه المتشابكة؟ وهل هو حقًا "البديل الوحيد" كما يوحي العنوان؟ ألا توجد منظومات أخلاقية أو قانونية أخرى؟

للإجابة على هذا، دعونا نعود من حيث بدأنا: غزة. غزة لم تكن مجرد مأساة إنسانية أخرى تُضاف لسجل البشرية الدموي الطويل. لقد كانت "لحظة الحقيقة"، الكاشف الذي عرّى كل شيء، وأظهر بشكل لا يدع مجالاً للشك، الإفلاس العميق للمنظومة الأخلاقية والقانونية التي يدّعي العالم "المتحضر" أنه يعيش تحت ظلها.

سقوط الأقنعة في غزة

لقد رأينا بأم أعيننا، وسمعنا بآذاننا، كيف أن:

"القانون الدولي الإنساني" (جنيف وغيرها): الذي يتشدقون به ليل نهار، أصبح مجرد حبر على ورق، بل أداة تُستخدم بـ انتقائية ونفاق فجّ؛ تُطبّق بصرامة على الضعفاء، ويتم تجاهلها أو إعادة تفسيرها أو تعطيلها (بالفيتو) لحماية الأقوياء وحلفائهم.

"حقوق الإنسان" أصبحت شعارًا فضفاضًا تُنتهك أبسط مبادئه (الحق في الحياة، الكرامة، الغذاء، الدواء، المأوى) بشكل ممنهج ضد شعب بأكمله عبر الحصار والتجويع ومنع المساعدات، وسط صمت دولي مريب أو تواطؤ فاضح أو تبريرات واهية.

"المؤسسات الدولية" (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة العدل): أثبتت عجزها التام، بل وشللها المتعمد أحيانًا (عبر الفيتو)، عن وقف الجرائم أو حتى محاسبة مرتكبيها بشكل فعال. أصبحت مجرد مسرح لتبادل الكلمات والتعبير عن "القلق".

"القيم الغربية" (الديمقراطية، الحرية، العدالة، حرية التعبير): سقطت سقوطًا مدويًا عندما رأينا دولاً تدّعي هذه القيم تدعم بشكل مطلق آلة حرب ترتكب ما يرقى للإبادة الجماعية، بل وتقمع مواطنيها الذين يحتجون سلميًا ضد هذه الجرائم، وتكمم أفواه الصحفيين والطلاب والأكاديميين.

ولعل أوضح تجليات هذا السقوط الأخلاقي هو ازدواجية المعايير الفاضحة. فبينما هبّت نفس الدول الغربية (بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا) لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا (باعتبار ذلك انهاكًا للقانون الدولي)، ودعمت المقاومة الأوكرانية بالسلاح والمال، وفتحت أبوابها للاجئين الأوكرانيين... رأيناها في المقابل تدعم الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود، وتصف المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال بأنها "إرهاب"، وتُحكم إغلاق حدودها في وجه اللاجئين الفلسطينيين، بل وتشارك أحيانًا في حصارهم! إن هذا الكيل بمكيالين الصارخ لا يكشف فقط عن نفاق قيمي، بل يؤكد أن "القيم الغربية" المزعومة ليست مبادئ إنسانية عالمية، بل هي مجرد أدوات سياسية تُستخدم لخدمة المصالح الجيوسياسية، وتُطبق بشكل انتقائي حسب هوية الجاني وهوية الضحية.

غزة كشفتهم جميعًا. كشفت أن المنظومة الحالية، القائمة على:

قوانين وضعية صاغتها مصالح الدول المنتصرة في حروب سابقة.

وقيم عالمانية غالبًا ما تكون نسبية وتخضع للتأويل السياسي والمصلحي. هي منظومة فاشلة جوهريًا في تحقيق العدالة أو حماية الإنسان عندما تتعارض هذه الأهداف مع مصالح القوة والهيمنة.

إن فشل المنظومة الدولية الذي كشفته غزة ليس حدثًا معزولاً. لقد رأينا فشلاً مماثلاً في وقف الإبادة الجماعية في رواندا (1994) رغم وجود قوات أمم متحدة، ورأينا عجزًا عن محاسبة مجرمي الحرب في سوريا لسنوات بسبب استخدام الفيتو. هذه الأمثلة تؤكد أن القانون الدولي الوضعي يظل أداة سياسية أكثر منه ضمانة أخلاقية حقيقية عندما تتعارض العدالة مع مصالح الكبار.

الأرقام تتحدث: شهادة الدماء على حجم الفشل

وهنا، دعونا ندع الأرقام تتحدث، فهي لا تجامل أحدًا. لتدرك حجم الفارق بين "أخلاق الإسلام" التي حكمت حروب المسلمين الأوائل وبين "أخلاق المصالح" التي تحكم عالمنا اليوم، تأمل هذه المقارنة الصادمة:

في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم: كل الغزوات والسرايا التي خاضها المسلمون في مرحلة تأسيس الدولة وتأمينها والدفاع عنها ضد الأعداء المتربصين في شبه جزيرة كاملة، على مدى أكثر من عشر سنوات... لم يتجاوز إجمالي عدد القتلى فيها من الطرفين معًا حوالي 1000 شخص تقريبًا!

وهنا يجب التنبيه: أن هؤلاء القتلى كانوا في الغالب الساحق من المقاتلين الفعليين الذين حملوا السلاح وبادروا بالعدوان أو شكلوا تهديدًا وجوديًا للدولة المسلمة الناشئة، ولم تكن الحرب موجهة أبدًا ضد المدنيين المسالمين. نعم، ألف قتيل من المسلمين والمقاتلين المعتدين... هذا هو ثمن الدماء التقريبي لإقامة دولة العدل والأمان الأولى في الإسلام.

في عصر "الحضارة الحديثة": فقط في الحربين العالميتين الأولى والثانية، اللتين خاضتهما الدول "المتحضرة" في القرن العشرين، وباسم "القومية" و"الديمقراطية" و"الحرية"... أُبيد أكثر من 70 مليون إنسان!! وهؤلاء الملايين السبعون لم يكونوا فقط من الجنود، بل شملوا أعدادًا هائلة من المدنيين الأبرياء (أطفال ونساء وشيوخ) الذين قُتلوا بالقصف العشوائي والتجويع والتطهير العرقي. سبعون مليونًا!!!

ولم تتوقف آلة القتل الغربية عند هذا الحد. فالحروب التي شُنت أو دُعمت من القوى الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده حصدت أرواح الملايين أيضًا: حرب فيتنام (أكثر من مليوني قتيل فيتنامي، معظمهم مدنيون)، الحرب الكورية (حوالي 3 ملايين قتيل)، الحرب على العراق منذ 1991 (تشير تقديرات مختلفة إلى مقتل مليوني إنسان، نتيجة الحرب والحصار)، والحروب الأهلية المدمرة في أفريقيا (مثل رواندا والكونغو) التي غالبًا ما كانت تُغذى بالتدخلات الخارجية وبيع السلاح... إنها قائمة طويلة ومفجعة من الدماء التي تُزهق باسم "المصالح" و"الأيديولوجيات" و"الحضارة" المزعومة.

قارن الأرقام مرة أخرى: ألف قتيل في حروب تأسيس أمة ودولة كاملة امتدت لسنوات، مقابل سبعين مليون قتيل في حربين فقط خلال أقل من نصف قرن، خاضتها دول تدّعي أنها قمة التقدم الإنساني والأخلاقي، قتلت فيها ملايين الأبرياء!

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة، بل هي شهادة دامغة على أن المشكلة لم تكن يومًا في "حروب الإسلام" التي حملت معها قواعد أخلاقية صارمة هدفها تقليل الدماء قدر الإمكان، بل كانت ولا تزال في حروب الآخرين التي تحركها الأطماع والأيديولوجيات البشرية وتجعل إبادة الملايين هدفًا مقبولاً أو ضررًا جانبيًا لا يُحتفل به.

إن الفارق ليس فقط في تطور تكنولوجيا القتل، بل هو في غياب الضابط الأخلاقي الحقيقي المستمد من الخوف من الله.

لماذا الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟

(وهنا يأتي السؤال الجوهري: لماذا يبقى الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟)

ليس لأن المسلمين اليوم هم أفضل من يطبق هذه الأخلاق (وهذه نقطة ضعفنا الكبرى التي يجب أن نعترف بها ونعالجها)، بل لأن المنظومة الأخلاقية الإسلامية نفسها تمتلك خصائص فريدة تجعلها البديل الحقيقي والجذري لهذا الإفلاس العالمي:

1. المصدر الإلهي (الموضوعية والثبات): أخلاقيات الحرب في الإسلام ليست نتاج مؤتمرات دولية تتغير، ولا توازنات قوى تتبدل، ولا فلسفات بشرية تتطور (أو تتدهور!). مصدرها هو الوحي الإلهي المعصوم (القرآن والسنة). وهذا يمنحها خصائص لا توجد في أي نظام وضعي:

الموضوعية لا تخضع لأهواء البشر أو مصالح الدول أو ضغوط اللوبيات. الحق حق والباطل باطل بغض النظر عمن يفعله أو من يتضرر منه. لا توجد "معايير مزدوجة".
الثبات لا تتغير بتغير الزمان أو المكان أو موازين القوى. ما كان حرامًا قبل 1400 عام (قتل طفل) يظل حرامًا اليوم وغدًا إلى يوم القيامة.
الإلزامية المطلقة ليست مجرد "توصيات" أو "مبادئ توجيهية" يمكن تجاهلها، بل هي "أوامر ونواهي" إلهية ملزمة لكل مسلم في كل حال، لا تسقط بـ "حالة الضرورة" المزعومة.

أضف إلى ذلك أن القوانين الوضعية الدولية غالبًا ما تكون نتاجًا لتوازنات القوى بعد حروب كبرى، أي أنها تُصاغ بشكل كبير من قبل "المنتصرين" لتعكس رؤيتهم ومصالحهم. ولهذا نرى كيف أن مؤسسات مثل "مجلس الأمن" تمنح "حق النقض (الفيتو)" لدول بعينها (وهي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية)، مما يجعلها فوق القانون عمليًا ويسمح لها بتعطيل أي قرار لا يخدم مصالحها أو مصالح حلفائها. فأي "عدالة دولية" هذه التي تُبنى على أساس "قوة الغالب" لا على أساس "الحق المطلق"؟ إن المصدر الإلهي للأخلاق الإسلامية يحررها تمامًا من هذه التبعية لموازين القوى الأرضية المتقلبة.

2. الرقابة الداخلية (الضمير الإيماني): كما رأينا، الضمانة الحقيقية لتطبيق هذه الأخلاق ليست المحاكم الدولية (التي قد تكون مسيسة أو عاجزة)، بل هي قبل كل شيء إيمان المقاتل برقابة الله عليه، وخوفه من حسابه، ورجائه لثوابه. آية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ هي أقوى رادع داخلي عن الظلم، أقوى من كل محاكم لاهاي وجنيف التي لا تنصف مظلوما ولا تمنع ظالما.

إن القانون الوضعي، مهما بلغ من إحكام، يظل بحاجة إلى "شرطي خارجي" لمراقبته وتطبيقه، وهذا الشرطي غالبًا ما يكون غائبًا أو متحيزًا أو عاجزًا في ساحة السياسة الدولية. أما الإسلام، فقد زرع "الشرطي الداخلي" في قلب المؤمن، وهو الخوف من الله ورجاء ما عنده. هذا الضمير الحي هو الذي جعل الصحابي يؤثر أسيره بالخبز وهو جائع دون أن يراه أحد، وهو الذي منع عمر من الصلاة في الكنيسة خوفًا على المستقبل البعيد، وهو الذي جعل صلاح الدين يعفو عن أعدائه بعد كل ما فعلوه. إن بناء هذا "الضمير" هو المعجزة الحقيقية التي لا يمكن لأي قانون أرضي أن يحققها بمفرده.

3. الشمولية والتكامل: لم تقتصر أخلاق الإسلام على "أثناء" القتال فقط، بل شملت ما قبله (الدعوة للسلام أولاً، الخيارات الثلاثة قبل الحرب)، و ما بعده (معاملة الأسرى، العفو عند النصر، الوفاء بالعهود، إعادة الإعمار). إنها منظومة متكاملة لا تترك شيئًا للمزاج أو للظروف.

4. الكرامة الإنسانية (لا انتقائية ولا عنصرية): الرحمة والعدل في الإسلام ليستا مقصورتين على المسلمين، بل تمتدان لتشمل غير المسلمين، حتى الأعداء منهم (كما رأينا في حماية المدنيين والأسرى والرهبان وأهل الذمة). إنها إنسانية لا تعرف التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون. الرسالة جاءت ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، لكل العوالم، لا لفئة دون أخرى.

التطبيق مقابل النص: نقطة حاسمة

ولكن، قد يقول قائل بإنصاف: "ألم يخالف بعض المسلمين هذه المبادئ عبر التاريخ أو حتى اليوم؟ ألم نرَ ظلمًا وقسوة من حكام أو جماعات مسلمة؟"

الجواب نعم، بكل تأكيد. المسلمون بشر يصيبون ويخطئون، وتاريخهم (كغيرهم) فيه صفحات مشرقة وأخرى مظلمة. حدث ظلم، وحدثت تجاوزات.

ولكن الفارق الجوهري والحاسم هنا: عندما يخالف مسلم هذه المبادئ الإلهية، فهو يخالف دينه وتعاليم ربه ونبيه. ويمكن محاكمته شرعًا (لو وُجدت الشريعة مطبقة) بناءً على هذه المخالفة الصريحة للنص. فالمشكلة تكون في التطبيق البشري، لا في النص الإلهي.

أما في المنظومات الوضعية الأخرى التي رأينا إفلاسها، فالمشكلة غالبًا ما تكون مزدوجة:

في النص نفسه: الذي قد يكون غامضًا، أو يسمح بالاستثناءات ("إلا في حالة الضرورة")، أو يخضع للتأويل السياسي والمصلحي.

وفي غياب الإرادة لتطبيقه أصلًا: عندما يتعارض مع مصالح القوى الكبرى وحلفائها.

بل وفي تبرير المخالفة تحت مسميات قانونية أو سياسية ("الأمن القومي"، "الحرب الاستباقية"، "تقنيات التحقيق المعززة").

إذًا، لماذا الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟ لأنه يقدم المعيار الأخلاقي الموضوعي والثابت والشامل الوحيد الذي يمكن أن يُحتكم إليه لضبط القوة البشرية الجامحة ومنعها من الانحدار إلى الوحشية. لقد أثبتت التجارب البشرية، وآخرها وأفجعها غزة، أن ترك الأمر للأهواء والمصالح والقوانين الوضعية المتغيرة لا يؤدي إلا إلى شريعة الغاب، حتى لو ارتدت قناع الحضارة والتحضر.

وحتى يتبين للقارئ أن هذه لم تكن هذه الأخلاقيات مجرد وصايا، بل كانت قوانين تُطبق ويُعاقب من يخالفها. يُروى أن خالد بن الوليد رضي الله عنه، في إحدى السرايا بعد فتح مكة، قتل بعض بني جذيمة خطأً أو بتأويل، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء وقال مرتين: 'اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد'، ثم أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليدفع دية القتلى ويعوضهم عن كل ما أصابهم.

إن العالم اليوم، بعد أن سقط القناع في غزة، هو أحوج ما يكون للعودة إلى هذا النور الإلهي. ليس بالضرورة كدين يُعتنق (فهذا اختيار فردي)، بل كمنظومة أخلاقية عالمية يمكن أن تنقذ ما تبقى من إنسانيتنا المشتركة، وتضع حدًا لهذه الوحشية التي تهدد مستقبلنا جميعًا.

الخاتمة والرسالة الأخيرة.

لقد كانت رحلتنا عبر أخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام رحلة عبر الزمن والفكر والروح. بدأت من ظلمات الجاهلية حيث كان القتل فخرًا والثأر دينًا، وانتهت عند نور الإسلام حيث صار كفُّ الدم عبادة والرحمة بالعدو قربة إلى الله.

رأينا كيف صاغ القرآن فلسفةً جديدةً للقتال قوامها العدل المطلق: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾. وكيف أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعد الحرب العادلة قبل أن تعرفها المواثيق الدولية بقرون طويلة:"لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا"... "وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً"... "وَلَا تَغْدِرُوا"... "وَلَا تُمثِّلُوا"... "اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا". قواعد ظلت ثابتةً لا تتبدل، لأنها لم تأتِ من عقول بشرية قاصرة تتأثر بالزمان والمكان والمصلحة، بل جاءت من عند خالق الإنسان العليم بما في نفسه وما يصلحها.

شهادة التاريخ ومنطق الحضارة

لقد أثبت التاريخ (وهو خير شاهد) أن الحضارات التي بُنيت على السيف والانتقام والظلم، مهما بلغت قوتها، مصيرها إلى السقوط والزوال (أين آشور وبابل وروما؟). أما الحضارة التي بُنيت على الرحمة والعدل والعلم، فبقيت منارتها تضيء للتائهين عبر القرون، حتى شهد الأعداء المنصفون أنفسهم بعظمتها فقالوا: "ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب (المسلمين)."

واليوم، بعد أن غابت شريعة الله عن ساحة القوة والسياسة العالمية (حتى في كثير من بلاد المسلمين للأسف)، عاد العالم تدريجيًا إلى ما يشبه غابة حديثة: تقتل باسم القانون، وتنهب باسم النظام الدولي، وتبرر الإبادة بشعارات زائفة. وها هي أحداث غزة تصرخ في وجهنا كل يوم بهذه الحقيقة المرة: لقد سقطت كل الأقنعة.

الإسلام: ليس ماضيًا، بل هو الحلّ للمستقبل

وهنا تتأكد الحقيقة التي حاولنا أن نُبرهن عليها في كل نقطة من هذا الكتاب: أن الإسلام ليس مجرد "دين" بالمعنى الضيق للعبادات، وليس مجرد "تاريخ" يُقرأ في الكتب. بل هو منهج حياة شامل، ونظام أخلاقي متكامل، يحمل في طياته الحلول لمآزق البشرية المعاصرة.

إذا أرادت البشرية أن تنجو من جنون القوة الذي يدمرها، فعليها أن تعود إلى المنهج الذي:

جعل الرحمة قاعدة أساسية، لا ترفًا ثانويًا يُستدعى عند الرخاء فقط.

وجعل العدل عبادة يُتقرب بها إلى الله، لا مجرد خيار سياسي يخضع للمساومات.

وجعل القوة خادمةً للضمير والأخلاق، لا سيدةً طاغية عليهما.

إن العالم التائه اليوم، الذي يبحث عن اتفاقياتٍ جديدةٍ، وعن قوانينٍ تُقيد شهوة الدم، لن يجد خلاصه الحقيقي إلا في العودة إلى هذا النور الإلهي.

رسالة خاصة... إلى أهل الأمانة

وهنا، يجب أن نقف وقفة خاصة. فإن كان هذا الكتاب حجةً على العالم، فهو قبل كل شيء تذكرةٌ للمسلمين.

يا قارئ هذه السطور، يا من تنتمي لهذا الدين العظيم... إننا نملك كنزًا لا يقدّر بثمن، كنزًا لا يملكه غيرنا في هذا العالم. إننا نملك الوحي الذي سبق حضارتهم في قيمه، والأخلاق التي عجزت عنها قوانينهم الوضعية.

فلا تقع، أرجوك، في شباك الغرب الفكرية. لا تنبهر بشعارات "حقوق الإنسان" البراقة التي سقطت وتمرغت في وحل غزة وفضائحها. هم قد يملكون الإعلام والسلاح والقوة المادية الطاغية... أما نحن، فنملك الحق الذي لا يُعلى عليه، ونملك الرحمة التي هي أقوى سلاح.

إن واجب الوقت اليوم ليس فقط أن نُعرّف العالم بهذا الدين العظيم، بل أن نعود نحن إليه أولاً. العودة الصادقة...

تعلّمه لا كمجرد شعائر، بل كمنهج حياة شامل.

والتمسك به لا كإرثٍ تاريخي نتباهى به، بل كطوق نجاة نعتز به ونطبقه في كل تفاصيل سلوكنا.

فالعالم التائه اليوم، لن يرى نور الإسلام في كتبنا فقط، بل يجب أن يراه في أخلاقنا نحن. إن عظمة هذا الدين لن تكتشفها البشرية حقًا، إلا حين نكون نحن أنفسنا الدليل الحي الصادق على تلك العظمة.

فلتكن هذه الرحلة عبر أخلاق ديننا دافعًا لنا جميعًا، ليس فقط للفخر بالماضي، بل للعمل الجاد لبناء مستقبل نكون فيه نحن، المسلمين، المثال الحي الصادق على هذه الرحمة وهذا العدل في تعاملنا مع القريب والبعيد، والصديق والعدو.

الخاتمة النهائية

لقد بدأت أعظم حضارةٍ عرفها التاريخ بكلمة خالدة خرجت من فم المنتصر في لحظة القوة المطلقة: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ." حضارةٌ لا تبني مجدها على أشلاء الآخرين، بل على صلاح قلوبهم وكرامتهم.

وهكذا يُختتم هذا الكتاب بما بدأ به: أن الإسلام جاء ليُعيد تعريف "القوة" بأنها القدرة على العفو والرحمة. و "النصر" بأنه انتصارٌ على النفس قبل الانتصار على العدو. و "البطولة" بأنها الثباتُ على المبدأ حين تغريك السلطة بالغدر والانتقام.

فما أحوج هذا العالم الممزق اليوم إلى أن يرفع من جديد راية تلك الكلمة القديمة التي غابت عن الميادين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...﴾ [النحل: 90].

هذه الثورة الأخلاقية لم تكن مجرد تعاليم نظرية، بل تجسدت في شخصية فريدة استطاعت تغيير وجه التاريخ، مما دفع حتى كبار المفكرين الغربيين للاعتراف بعظمته. ومنهم الشاعر والسياسي الفرنسي الشهير ألفونس دي لامارتين، الذي يتساءل بعد استعراض إنجازات النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه فيلسوف، خطيب، نبي، مشرع، مقاتل، فاتق أفكار، باعث عقائد في شريعة لا صور فيها ولا تماثيل، مؤسس عشرين مملكة على الأرض ومملكة روحية، ذاك هو محمد. ومهما تكن المعايير التي نقيس بها العظمة الإنسانية، فإننا نتساءل: أي إنسان كان أعظم منه؟".

شهادة جامعة تلخص حجم التأثير الذي أحدثه رجل واحد بدأ دعوته في قلب الصحراء، وأسس حضارة قوامها الأخلاق قبل السيف.

الحمد لله الذي جعلنا من أمةٍ تحمل هذه الأمانة العظيمة، ومنحنا دينًا يؤكد في كل زمانٍ ومكان، رغم كل ما نراه من ظلم وقسوة: أن الرحمة... لا تُهزم.